تحت الرماد... حكاية نبض لا يموت
نشر بتاريخ: 2026/07/20 (آخر تحديث: 2026/07/21 الساعة: 18:40)

ها هي غزة تحت الرماد؛ لا رماد الحطب وحده، بل رماد الأحلام والبيوت التي كانت تضج بالحياة، وضحكات الأطفال التي ملأت الأزقة الضيقة. تقف غزة الآن كطائر الفينيق في لحظة الاحتراق القصوى، تلك اللحظة التي تسبق المعجزة، حيث يختلط الموت بالحياة، ليكتشف العالم أن تحت هذا الرماد المتطاير نبضًا لم يخفت.

تحت الرماد، لا ترى العين المجردة سوى الخراب؛ جبالًا من الإسمنت المهشّم، وحديدًا ملتويًا كأحلام مقصوفة. الصمت هناك ليس صمت سلام، بل صمت الدهشة والوجع، وصمت سؤال لا يجد جوابًا: كيف لقطعة أرض بهذا الحجم أن تختزل كل هذا الألم؟

الهواء ثقيل برائحة البارود والغياب؛ غياب الأحبة، وغياب الشعور بالأمان الذي تبخر كالماء تحت شمس حارقة. لكن في قلب هذا الموت المرئي يكمن السر. فإذا أصغيت جيدًا، ستسمع صوتًا خافتًا، متقطعًا، عنيدًا، ينبعث من تحت الأنقاض: إنه النبض.

ليس نبض قلب واحد، بل نبض روح شعب بأكمله. إنه صوت المعلم الذي يفتح فصلًا دراسيًا في خيمة بالية، لأنه يدرك أن الجهل هو القبر الحقيقي. وهو صوت الأم التي تمسح دمعة طفلها الجائع بطرف ثوبها الممزق، وتهمس له بأن الغد أجمل؛ لا لأنها متيقنة من ذلك، بل لأنها تزرع في قلبه بذرة أمل ترفض أن تموت. وهو صوت الشاب الذي يمسك مكنسته في الصباح الباكر ليرفع الركام عن عتبة منزله، وكأنه يقول للعالم: سنبقى هنا، وسنعيد بناء ما هُدم حجرًا فوق حجر.

ويتجلى هذا النبض في طقوس الحياة اليومية: في رائحة الخبز التي تفوح من فرن طيني أُقيم بين الركام، وفي صوت بائع متجول ينادي على بضاعته في سوق لا سقف لها سوى السماء، وفي تجمع الأطفال حول كرة من القماش، يضحكون من أعماق قلوبهم للحظة، قبل أن تعيدهم صفارة إنذار إلى واقعهم المرير.

تلك المشاهد هي الأوتار التي تعزف سيمفونية الصمود، وهي اللغة السرية التي تقولها غزة للعالم: قد تنجحون في حرق كل شيء فوق الأرض، لكنكم لن تستطيعوا إخماد ذلك البريق الذي يسكن أعماقنا.

أن تكون تحت الرماد لا يعني أن تكون ميتًا، بل أن تكون في أقسى مراحل الاختبار. وغزة لا تطلب شفقة العالم، فالشفقة اعتراف بالعجز أكثر منها اعترافًا بالألم. أما الجواب، فيكمن في ذلك النبض الخفي؛ في كل يد تمتد لانتشال شهيد أو دفن فقيد بكرامة، وفي كل دفتر مدرسي يخرج سالمًا من الركام ليواصل صاحبه الدرس، وفي كل أم تصنع من العدم لعبة لطفلها اليتيم.

هذا النبض هو الإرادة التي تحوّل المأساة إلى ملحمة، والضحية إلى رمز للصمود، وتحول غزة من مجرد مكان على الخريطة إلى فكرة، ومن بقعة جغرافية إلى ضمير إنساني حي.

تحت الرماد لا تموت غزة، بل تُبعث من جديد، أكثر صلابةً وأشد قدرةً على الحياة، لأنها خرجت من بوتقة الألم وقد صهرتها النار، فازدادت نقاءً وقوة، كذهب خالص لا تنال منه السنون.