نقطة ضوء.. اعتذار تاريخي من حكومة عنبتا… سامحونا فقد حاولنا!
نشر بتاريخ: 2026/07/21 (آخر تحديث: 2026/07/21 الساعة: 23:38)

بعد عقودٍ من الصبر والانتظار والتردد والصعوبات الجمة، وبعد أن استنفدت السياسة كلماتها، واللجان اجتماعاتها، والخطط عناوينها، والوعود مواعيدها؛ قررت حكومة عنبتا، رئيسًا وأعضاءً، مواجهة الحقيقة بشجاعة نادرة، وإصدار بيان اعتذار تاريخي عن سياساتها ومنهجها، متمنية أن يكون قد صدر في الوقت المناسب، وبعد أن أصبح الصمت أكثر تكلفة من الكلام .

وعليه، فإن حكومة عنبتا تتقدم باعتذارها الرسمي إلى الشعب الفلسطيني العظيم، وتقرّ بأنها لم تتمكن من تحقيق كل ما كان ينتظره منها، وأنها ـ رغم كل الجهود والمؤتمرات واللجان والخطط التكتيكية والاستراتيجية ـ لم تجد حتى الآن المفتاح السحري الذي يفتح أبواب الفرج المغلقة.

نعتذر لأننا لم نتمكن من حل الأزمة المالية التي أثقلت حياة الناس، ولم نستطع توفير رواتب الموظفين ومستحقاتهم وديونهم، ولم نعثر على الوصفة الاقتصادية العجيبة التي تعيد التوازن إلى الخزينة، وتعيد الطمأنينة إلى جيوب المواطنين، الذين أصبحوا خبراء في فن إدارة العجز، وتدوير الأزمات، وانتظار الفرج.

ونعتذر لأننا لم ننجح في حل أزمة المحروقات، ولم نستطع توفير البنزين والسولار والكاز والغاز كما ينبغي، وكأن وصول الوقود إلى المواطن أصبح أصعب من الوصول إلى القمر. كما نعتذر عن استمرار أزمات الكهرباء والمياه التي ترافق المواطن في الشتاء والصيف، حتى أصبح الفلسطيني يعرف مواعيد الانقطاع أكثر مما يعرف مواعيد الاستقرار.

ونعتذر لأننا لم نتمكن من توفير الأدوية والأجهزة الطبية والكوادر الصحية اللازمة في المستشفيات والمراكز الصحية، وخاصة لأصحاب الأمراض المزمنة والخطيرة، والمسنين، والأطفال، والنساء.

ونعتذر لأننا لم نجد حتى اللحظة الحل الشافي والوافي لأزمة معبر الكرامة، ومقصلة المنصة، ورفيقتها شركة “جت”. كما نعتذر لأننا لم نستطع إلغاء خدمة VIP التي نجحت في تقسيم الشعب الفلسطيني إلى طبقتين: طبقة تعبر بسهولة، وطبقة تتعلم الصبر على الانتظار، وكأن الكرامة الوطنية أصبحت بحاجة إلى بطاقة عبور خاصة.

ونعتذر لأننا لم ننجح في وقف تغوّل المال على القرار الوطني، ولم نضع حدًا لسيطرة هوامير المال على مقدرات الوطن وسياساته السياسية والاقتصادية، ولم نستطع إقناع البعض بأن الوطن ليس شركة خاصة، وأن المواطن ليس رقمًا في دفتر حسابات.

ونعتذر لأننا لم نتمكن من كسر شوكة الاستيطان، ولا وقف جرائم وعنف جيوش المستعمرين بحق المواطنين الفلسطينيين وأرواحهم وبيوتهم وأراضيهم وقراهم وبلداتهم ومدنهم ومركباتهم وطرقهم.

كما نعتذر لأننا لم نستطع إزالة البوابات والحواجز التي قطعت أوصال الأرض الفلسطينية، وحولت المسافة بين القرية والمدينة إلى رحلة إذلال، ورسخت قواعد الفصل العنصري في الطرقات والشوارع.

ونعتذر لأننا لم نتمكن من وقف نزيف الهجرة، وخاصة هجرة الشباب الذين أصبحوا يبحثون عن فرصة حياة خارج وطنهم، بعد أن ضاقت بهم فرص الداخل.

ونعتذر لأننا لم نجد لقمة عيش ومكان عمل للعمال الفلسطينيين الذين كانوا يعملون في أراضي عام 1948، ثم وجدوا أنفسهم خارج حسابات الاقتصاد والسياسة ، وباعوا كل ممتلكاتهم ليعيشوا بكرامة .

ونعتذر لأننا لم ننصف الشهداء والجرحى والأسرى وأسرهم وأطفالهم، بعدما حملوا أثقال القضية، ودفعوا أثمان النضال والتضحيات، بينما بقيت الكلمات أكثر حضورًا من الأفعال.

ونعتذر لأننا لم نستطع رفع مقاصل الجوع والقهر والذل عن المعتقلين في سجون الاحتلال، الذين يدفعون ثمن الحرية في زمن أصبحت فيه الحرية نفسها بحاجة إلى من يدافع عنها.

ونعتذر لغزة، أرضًا وبحرًا وسماءً، ولتربتها التي احتضنت الشهداء، وبيوتها التي حملت ذاكرة أهلها، وأمهاتها اللواتي ودّعن أبناءهن، وأطفالها الذين كبروا قبل أوانهم تحت ثقل الحصار والحرب والدمار. لم نمنع عنها الألم، ولم نخفف عنها ثقل المأساة، وبقيت مواقفنا في كثير من الأحيان أقل من حجم الجرح، وبياناتنا أطول من الفعل. وبقيت غزة تعيش بين نار الاحتلال، وثقل الحصار، ومرارة الانقسام، وأصبحت شاهدًا على صبر الفلسطينيين، وشاهدًا أيضًا على عجزهم الجمعي.

ونعتذر لأننا لم نتمكن من إعادة المهجرين والمطرودين من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس إلى بيوتهم، ولم ننجح في إنهاء نكبة التهجير المستمرة، ولا حتى في منح المهجرين ما يليق بكرامة من فقدوا بيوتهم وأمنهم.

ونعتذر لأننا لم نستطع حماية المناهج التعليمية من عبث التدخلات والضغوط الأوروبية والأميركية والإسرائيلية واليونسكو، ولم ننجح في إقناع العالم بأن هوية الشعوب لا تُكتب في مكاتب المانحين، ولا تُراجع بأقلام السياسة.

ونعتذر لأننا لم ننجح في معالجة أزمة الشيكل اللعين وتكدسه في الدورة المالية الفلسطينية، وما سببه من شلل في التجارة والأسواق.

ونعتذر لأننا لم نستطع إدخال البنوك العاملة في فلسطين إلى بيت الطاعة الوطني، وإجبارها على مراعاة ظروف الموظفين والمدينين، بدلًا من التعامل معهم كأرقام في ملفات مالية.

ونعتذر لأننا لم نتمكن من القضاء على الفساد المستشري في جسد البلد ، واقتلاعه من جذوره العميقة، ولم ننجح في كبح جماح التهريب والتهرب بكل أشكالهما، رغم أن الجميع يعرف الطريق، لكن يبدو أن بعض الطرق تحتاج إلى تصريح مرور.

ونعتذر لأن معظم سفارات الوطن في الخارج لم تنجح في أداء الدور الذي يليق بفلسطين، ولم تكن دائمًا الصوت القوي المدافع عن قضايا الوطن ومعاركه، ولم تكن الحاضنة الحقيقية للجاليات الفلسطينية المنتشرة في جميع أنحاء المعمورة. و لم تستثمر طاقات الفلسطينيين في الخارج وخبراتهم وحضورهم وعلاقاتهم خدمةً للرواية الوطنية، وما زال كثير من أبناء الجاليات الفلسطينية يعتقدون أن المسافة بينهم وبين سفارات وطنهم أصبحت أطول من المسافات التي تفصلهم عن القدس.

ونعتذر لأننا لم نستطع إجبار الطرف الآخر على احترام الاتفاقيات الموقعة، ولا وقف احتلاله مناطق سيادة السلطة الفلسطينية، وخاصة مناطق A وB وC، ولا إنهاء الحكم العسكري المباشر المفروض على الفلسطينيين الذين يعيشون تحت مسؤولية السلطة وحمايتها.

ونعتذر لأننا لم نتمكن من وقف سيطرة الاحتلال على تفاصيل الحياة اليومية، حتى أصبحت السيادة في بعض الأحيان عنوانًا مكتوبًا على الورق، لا واقعًا ملموسًا على الأرض.

ويبقى الاعتذار الأكبر أننا صدقنا أن اتفاقية أوسلو عام 1993، وبروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994، واتفاق غزة–أريحا عام 1994، واتفاقية طابا عام 1995، وبروتوكول إعادة الانتشار في الخليل عام 1997، ومذكرتي واي ريفر الأولى والثانية عامي 1998 و1999، واتفاقية المعابر عام 2005، ستمهد الطريق نحو الدولة والاستقلال والحرية.

ونعتذر لأننا لم نتوقع أن تمضي إسرائيل، بدعم غير محدود من الولايات المتحدة الأميركية، إلى هذا الحد في تقويض كل ما تم الاتفاق عليه، ولم نتوقع أن يتحول المجتمع الدولي، ومعه العمقان العربي والإسلامي، من قوة ضغط إلى متفرج بارع في إصدار بيانات القلق والاستنكار.

وفي الختام ،

تلتمس حكومة عنبتا من الشعب الفلسطيني العظيم مزيدًا من الصبر، فالصبر ـ كما يبدو ـ أصبح المورد الوطني الوحيد الذي لم يخضع للحصار، ولم يحتج إلى تصريح عبور .

سامحونا… فقد اكتشفنا متأخرين أن الشعب الفلسطيني لم يعد ينتظر المعجزات، بل ينتظر فقط أن يعيش بكرامة، وأن تتوقف المعجزات المعاكسة .

💢ملاحظة جادة ومهمة : هذا اعتذار كوميدي خيالي من حكومة عنبتا، رئيسًا وأعضاءً. وأي تشابه بين تفاصيله ومواقف أو سياسات حكومات أخرى في مختلف أنحاء العالم، فهو من باب الصدفة البحتة لا أكثر ولا أقل .