الذين لا يتعلمون من الكارثة… يصنعون الكارثة التالية
نشر بتاريخ: 2026/07/27 (آخر تحديث: 2026/07/27 الساعة: 14:54)

الكارثة ليست أن تخطئ.

الكارثة… أن ترفض الاعتراف بالخطأ.

والكارثة الأكبر… أن تعيد إنتاجه ثم تطلب من الناس أن يصفقوا له.

في السياسة لا توجد قرارات مقدسة.

ولا توجد قيادات معصومة.

ولا توجد تجارب لا يجوز الاقتراب منها بالنقد.

كل شيء يخضع للمراجعة… إلا عندنا.

نحن وحدنا من نعتقد أن الدم لا يكفي لإعادة الحسابات بل يمكن اعادة انتاجه وأن الدمار لا يكفي لتغيير الأدوات بل يمكن إعادة بناءه وأن المأساة لا تستحق حتى لحظة تأمل لان المسؤول ما زال جالس على كرسيه وينعم بنعيم الفنادق.

بعد كل هذا الخراب…

بعد المدن التي سُويت بالأرض…

بعد العائلات التي اختفت من السجل المدني…

بعد الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم…

ما الذي تغير في خطابنا السياسي؟

لا شيء.

العبارات نفسها.

الشعارات نفسها.

التبريرات نفسها.

والنتيجة نفسها.

المشكلة ليست في امتلاك رواية سياسية فلكل طرف روايته.

المشكلة أن تتحول الرواية إلى بديل عن الواقع.

أن يصبح الكلام أهم من الإنسان.

وأن يصبح الدفاع عن القرار أهم من مراجعة نتائجه.

السياسة ليست حفظ الشعارات.

السياسة هي القدرة على الاعتراف بأن هناك لحظة تستوجب التغيير.

أما الإصرار على أن كل ما حدث كان نجاحاً كاملاً وأن كل ما جرى كان انتصاراً مكتملاً دون نقاش جاد حول الكلفة والنتائج فهو لا يجيب عن أسئلة الناس بل يوسع الفجوة بين الخطاب والواقع.

الشعوب لا تطلب المستحيل.

لا تطلب المعجزات.

تطلب فقط أن تشعر بأن دماءها أحدثت فرقاً في طريقة التفكير.

أن تكون المأساة بداية مراجعة… لا بداية حملة دعائية جديدة.

ليس عيباً أن تخسر معركة.

العيب أن تخسر القدرة على التعلم وان تجازف بمن بقي على قيد الحياة وما بقي من الوطن..

وليس ضعفاً أن تعترف بأن بعض الحسابات كانت خاطئة.

الضعف الحقيقي هو أن تكررها ثم تصفها بالحكمة.

التاريخ لا يعاقب من يخطئ.

التاريخ يعاقب من يكرر الخطأ وهو يعتقد أنه لا يخطئ.

والأوطان لا تنهار بسبب قوة أعدائها فقط.

بل تنهار ايضاً عندما تتحول المراجعة إلى جريمة والنقد إلى خيانة والأسئلة إلى تهديد.

من يحب وطنه لا يخاف الحقيقة.

ومن يحترم شعبه لا يطالبه بالتصفيق بل يصارحه.

لأن الشعوب قد تصبر طويلاً…

لكنها لا تنسى.

والتاريخ قد يتأخر…

لكنه لا يسقط أسماء الذين رفضوا أن يتعلموا من الكارثة، فيصنعون كوارث متتالية.