غزة تميز بين الخطاب والموقف.. الرجوب يتحدث اليوم ودحلان اختار الميدان
نشر بتاريخ: 2026/08/06 (آخر تحديث: 2026/08/06 الساعة: 23:53)

لم يكن خروج اللواء جبريل الرجوب بانتقاداته الأخيرة مجرد موقف سياسي عابر، ولا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد الداخلي لحركة فتح والصراع المتصاعد داخل أروقة القيادة.

فالتصريحات جاءت في توقيت بالغ الحساسية، عقب تزايد الحديث عن تهميش دوره داخل اللجنة المركزية، وتكليفات وتعيينات جديدة عززت نفوذ شخصيات أخرى في دائرة القرار، وفي مقدمتها ياسر عباس وحسين الشيخ

.ولهذا نجد سقف انتقادات الرجوب ارتفع بالتزامن مع تراجع حضوره في مراكز التأثير، حتى وصل إلى انتقاد طبيعة النظام السياسي وحديثه العلني عن مخاوف الرئيس محمود عباس من انقلاب داخل السلطة.

لكن بعيدًا عن حسابات فتح الداخلية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على كل فلسطيني، وخاصة في غزة: لماذا يرتفع الصوت عندما يُهمَّش صاحبه، بينما يخفت عندما يكون شريكًا في صناعة القرار؟ ولماذا تتحول غزة إلى عنوان للخطابات السياسية بعد الخروج من دائرة النفوذ، بينما كانت لسنوات تدفع وحدها ثمن الانقسام والحصار والسياسات التي أثقلت كاهل سكانها؟

تصريحات اللواء جبريل الرجوب الأخيرة وغيره عن غزة لا يمكن فصلها عن هذا السؤال. فأخيراً  عرف جبريل الرجوب بأنهم تركوا غزة تُذبح ولم يقدموا لها ما كان ممكناً لتخفيف المعاناة". 

فالمشكلة ليست في أن يتحدث اليوم، بل في أن كثيرين في غزة يتساءلون: لماذا لم يكن هذا الخطاب حاضرًا بالحدة نفسها عندما كانت السلطة تتخذ قرارات مست حياة الناس اليومية؟ لماذا يبدو التعاطف أكثر جرأة بعد الابتعاد عن مركز النفوذ، بينما كان أكثر حذرًا عندما كانت أدوات التأثير قائمة؟

منذ الانقسام الفلسطيني عام 2007، عاش قطاع غزة سنوات طويلة من الحصار، والحروب، والانهيار الاقتصادي، والبطالة، والفقر، وانقطاع الرواتب، والأزمات المتراكمة.

وخلال تلك السنوات، صدرت قرارات عن السلطة وحركة فتح وسياسات أثارت اعتراضات واسعة داخل الشارع الفلسطيني، من ملفات الرواتب والإحالات إلى التقاعد، إلى تقليص المخصصات المالية ، وتعقيد ملفات إدارية وخدمية مست آلاف العائلات وحت فصل كوادر وقيادات فتحاوية وازنة.

هذه ليست تفاصيل هامشية؛ إنها جزء من الذاكرة اليومية لأهل القطاع.

من هنا يبدأ الامتحان الحقيقي لأي قائد: هل اعترض عندما كان الاعتراض مكلفًا؟ هل وقف علنًا ضد السياسات التي رأى الناس أنها زادت من معاناتهم؟ هل خاض معركة داخل مؤسسات القرار دفاعًا عن غزة؟ أم أن الخطاب ارتفع فقط بعد أن تراجعت القدرة على التأثير المباشر؟

وليس الرجوب وحده من يواجه هذا السؤال. ناصر القدوة، وعزام الأحمد، وغيرهما من الوجوه البارزة في المشهد الفتحاوي، يجدون أنفسهم أمام ذاكرة سياسية لا تُمحى بالتصريحات.

فغزة لا تتذكر فقط ما قيل، بل تتذكر ما فُعل وما لم يُفعل وتتذكر سنوات كانت فيها تنتظر موقفًا أكثر صراحة، وأكثر جرأة، وأكثر استعدادًا للاشتباك مع القرارات التي رأت فيها ظلمًا للقطاع وسكانه.

قد يقال إن المسؤولية جماعية، وإن الانقسام معقد، وإن الظروف كانت صعبة،

كل ذلك صحيح. لكن الصحيح أيضًا أن القيادة تُقاس في اللحظات الصعبة، لا في المؤتمرات الصحفية وأن التاريخ لا يمنح نقاطًا إضافية لمن يكتشف الحقيقة بعد مغادرة المكتب.

ففي المقابل، نجد القيادي الفلسطيني محمد دحلان، نموذج سياسي مختلف ارتبط بالفعل الميداني أكثر من ارتباطه بالخطاب الإعلامي والكلمات فمنذ سنوات، اتخذ دحلان موقفًا معارضًا لما اعتبره نهجًا يقوم على الإقصاء، وتغليب القرار الفردي، وإضعاف دور مؤسسات السلطة، ودعا إلى الإصلاح الداخلي وتجديد الحياة الديمقراطية داخل حركة فتح وتفعيل وتجديد المؤسسات الفلسطينية.

إن هذا الموقف لم يقتصر على الخطاب السياسي، بل انعكس في مبادرات سياسية من خلال تأسيس تيار الإصلاح الديموقراطي في حركة فتح وإنسانية واجتماعية واسعة، كان قطاع غزة والضفة والقدس والشتات في صلبها.

حضوره لم ينقطع في أصعب الظروف التي مر بها القطاع، بل سعى إلى تسخير شبكة علاقاته العربية والإقليمية والدولية لتوفير أشكال متعددة من الدعم، في وقت كانت الاحتياجات الإنسانية تتفاقم عامًا بعد عام.

لقد وقف القيادي دحلان مع غزة وأبناءها عندما تخلى عنهم الجميع..

نستذكر تجربة لجنة التكافل التي قدمت برامج دعم اجتماعي واقتصادي وإغاثي لكل فئات المجتمع واستفادت منها آلاف الأسر، والان وخلال حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على غزة فإن  الدور الذي لعبه في  الإغاثة ، وعبر عملية «الفارس الشهم 3»،و التي شملت مساعدات إنسانية وإغاثية استهدفت الأسر المتضررة، والعمال، والخريجين، والمزارعين، والمرضى، والفئات الأكثر احتياجًا من النازحين والمكلومين وعائلات الشهداء والجرحى.

إن هذه المبادرات لم تكن مجرد عناوين إعلامية، بل تركت أثرًا ملموسًا في حياة المواطنين، ورسخت صورة العمل الميداني في الوقت الذي تواجه فيه غزة حرباأ طاحنة وواحدة من أقسى معارك البقاء والصمود في وجه آلة الحرب الإسرائيلية.

ولهذا، نجد أن المقارنة لا ينبغي أن تكون بين التصريحات والتصريحات، وإنما بين سجل من المواقف العملية وسجل من الخطابات السياسية فالكلمات، مهما بلغت بلاغتها، لا تستطيع أن تمحو أثر السنوات، بينما تبقى المواقف والأفعال والمبادرات التي يلمسها الناس جزءًا من ذاكرتهم الجماعية.

ربما يختلف الفلسطينيون في تقييم محمد دحلان سياسيًا، لكن من الصعب إنكار أن حضوره في غزة واسمه الذي، ارتبط بسلسلة من المبادرات الإنسانية والاجتماعية التي دخل كل خيمة وكل بيت والتي تعبر التزام عملي تجاه القطاع، أكثر من كونها مواقف موسمية أو تصريحات مرتبطة بتغيرات المشهد السياسي.

ولهذا، نقول ما الذي يبقى في ذاكرة شعبنا الحر؟ هل هي الخطب والبيانات، أم المواقف التي تُترجم إلى أفعال عندما تكون الحاجة أكبر من الشعارات؟

فياسيادة اللواء وياكل القيادات الرجوب وناصر وتوفيق وعزام وعباس  إن غزة ليست مجرد عنوان في خطاب سياسي، وليست ورقة تُستحضر عند تبدل موازين القوى.

إنها ذاكرة تختزن تفاصيل السنوات بكل ما حملته من معاناة وألم وصمود وتحدي، وتحتفظ بصورة من حضر إلى جانبها ووقف مع أبناءها ، وليس من اكتفى بالكلمات.

وأي خطاب جديد عن غزة سيظل، في نظر كثير من أبنائها، مرهونًا بسؤال واحد ظل يتردد عبر السنين:

أين كانت المواقف عندما كانت غزة في أشد الحاجة إليها؟ غزة لن تغفر لكم..