لا يمكن التوفيق بين مسارين
نشر بتاريخ: 2026/08/18 (آخر تحديث: 2026/08/18 الساعة: 14:17)

كل استحقاقات التغيير والإصلاح والحقوق، تُطرح الآن على بنية سياسية وإدارية ومجتمعية فلسطينية هشة، تترافق مع ضغوط سياسية واقتصادية خارجية من العيار الثقيل، وضغوط داخلية متصاعدة ليس لها أولويات ومدى زمني للتغيير. تلك الاستحقاقات والضغوط تشكل وصفة سحرية لمزيد من الانهاك والتفكك وصولا إلى الانهيار الفلسطيني، الذي يشكل هدفا مباشرا لحكومة المستوطنين الكهانية.

من المفارقات التي نعيشها، الآن، لا يستطيع جيش الاحتلال منع المنظمات الاستيطانية من احتلال بيوت المواطنين وإقامة بؤر استيطانية داخل بلدة قصرة وأماكن أخرى، ويُظهر عجزه المزعوم عن إخضاع إرهابيين يهود لقانون الحكم العسكري القائم في الضفة الغربية المحتلة، وما يعنيه ذلك من دعم استباحة المستوطنين، ورعاية حمى البطش والتنكيل كجزء من الدعاية الانتخابية. ومن المفارقات أيضا أن إدارة ترامب وسفيرها ومبعوثها لم يستطيعوا إدخال الماء والطعام للمواطنين المحتجزين في قصرة. ولا في إلزام نتنياهو باتفاق خارطة الطريق الذي شارك «مجلس الأمن القومي الإسرائيلي» في بلورته وتحديد آليات تنفيذه التفصيلية كما جاء في صحيفة «يديعوت».

ترفض حكومة نتنياهو وتحارب كل كلام عن حل سياسي للصراع، وما زالت تتبنى عمليا الحل الفاشي وتسعى إلى ترجمته عبر سلسلة من قرارات الاستيلاء على الأراضي واستيطانها وعبر العقوبات والخنق الاقتصادي واستباحة ابسط الحقوق الفلسطينية بمشاركة ميليشيا المستوطنين المسلحة.

منذ تأسيس السلطة، ارتبطت الانتخابات التشريعية والرئاسية بالعملية السياسية والحل الذي ينهي الاحتلال ويُمَكن الشعب الفلسطيني من حكم نفسه والانفصال عن الاحتلال. وكانت هناك علاقة بين إرجاء الانتخابات وخفوت الحماس لها، وبين جمود العملية السياسية والانتقال من المفاوضات إلى إدارة الصراع. غير أن المؤسسة الفلسطينية لم تدرك الحاجة الماسة إلى تقوية المجتمع ومؤسساته عبر الانتخابات، كي يكون قادرا على الصمود والتطور أمام عملية إضعافه وتفكيكه، وكي يتمكن من تعزيز روابطه الداخلية ومع الحلفاء والمتضامنين. تعايشت المؤسسة مع حالة الجمود السياسي، وأبقت على النظام السياسي مترهلا بلا إصلاح أو تطوير بانتظار المجهول، ما أدى إلى توسيع الفجوة بينها وبين مواطنيها.

الآن، هل تستطيع الانتخابات التشريعية إحداث نقلة في واقع المؤسسة الرسمية والفصائلية؟ نظريا، يمكن إحراز تقدم في حالة الأخذ بديناميات ومعايير سياسية وإدارية وقانونية.

وفي مقدمة ذلك، الوضوح السياسي الذي يبدأ بإنقاذ المواطنين في قطاع غزة أولا، ووقف حرب الإبادة من خلال خطة ترامب المكونة من 20 بندا، وخارطة الطريق المنبثقة عنها، وكلاهما يحقق الشروط الإسرائيلية الأساسية – إقصاء «حماس» من الحكم، ونزع السلاح وبنيته التحتية وفرض وصاية وتبعية سياسية وأمنية واقتصادية ــ هذا ليس اتفاقا بين طرفين بل إملاء لشروط غطرسة القوة الإسرائيلية – كان يمكن التوصل إلى اتفاق أقل سوءا بتقليل عدد الضحايا ومستوى التدمير نوعيا، والتخفيف من حدة المعاناة – لم تأخذ قيادة «حماس» بتقاليد الحروب المتبعة وابسط مبادئها هي: إذا كان لا بد من التنازل في ظل ميزان قوى مختل تماما، فينبغي التراجع المبكر بتقديم التنازلات الاضطرارية قبل أن تصبح خائر القوة ولا تملك هوامش وتتفاقم خسائرك وخسائر شعبك، ويفرض عليك صك الاستسلام المذل. وما عدا ذلك يعتبر انتحارا على خلفية أيديولوجيا خلاصية أو قراءة خاطئة للعدو والصراع التاريخي معه. وقد جمعت قيادة «حماس» بين الاثنين، ثم استيقظت متأخرة جدا جدا عندما تنازلت «من اجل حماية شعبها ووقف التهجير والتدمير» كما قالت. وحقيقة الأمر، تنازلت عندما تعرضت قيادتها المجتمعة في الدوحة للاستهداف، ووُضعت أمام خيارين، أحلاهما مر، القبول بالحل الأميركي الذي اصبح فيما بعد خطة ترامب، أو خسارة مركزها في الدوحة وتعرضها للتصفية حيثما وجدت. يمكن القول، إنها تنازلت حفاظا على قيادتها أولا وعلى تنظيمها ثانيا ولم تكترث لمعاناة شعبها قيد أنملة طول الوقت. كان بديل خطة ترامب هو ارتكاب حكومة نتنياهو المزيد من الإبادة والقتل والتدمير وتهيئة كل مقومات تهجير المواطنين، ومواصلة التطهير العرقي في الضفة الغربية تمهيدا للتغلغل الاستيطاني والتهويد والضم.

كما إن الوضوح السياسي النابع من الواقع، في لحظة التوافق الإسرائيلي على شطب الحل السياسي أو تأجيله في أحسن الأحوال، وفي الوقت الذي يضع فيه معسكر نتنياهو الكهاني الحل الفاشي للصراع على سكة التطبيق. الشعب الفلسطيني بحاجة إلى مركز قيادي بمسمياته المعروفة ــ سلطة منظمة تحرير دولة فلسطين – داخل فلسطين يتمتع بشرعية دولية وعربية وغير مرفوض إسرائيليا، يتبنى الحل الدولي للصراع وقراراته. هذا ليس بالأمر الجديد، فقد حدث إبان الانتفاضة الأولى العام 88 ولكن من خارج الوطن، إلى أن انتقل المركز إلى داخله بعد اتفاق أوسلو. كان مسارا واقعيا عقلانيا وقابلا للتنفيذ. لكن الإسلام السياسي رفض هذا المسار وقدم مسار المقاومة وفلسطين من النهر إلى البحر، ونجح في إقصائه بالتلاقي الموضوعي مع معسكر نتنياهو الذي يرفض الحل الدولي جملة وتفصيلا. مسار كان يحتمل الوصول إلى حل بدعم وتأييد 160 دولة، والآن ما زال عنوانا لقطع الطريق على الحل الفاشي والبقاء في أرض الوطن، لم يكتفِ المسار الذي قادته «حماس» بالوجود والتنافس بل ساهم في إفشال مسار الحل الدولي وأوصل المجتمع والشعب إلى كارثة. لا يمكن التوفيق بين المسارين. وثبت في تجربة النزاع بين المسارين، أن مسار الشرعية التي يحتاجها المجتمع والشعب ليست ترفا بل ضرورة، ويمر في طريق واحد هو الحل الدولي للصراع. وقد دخلت «حماس» في تناقض عندما اعتقدت أنها قادرة على السيطرة على المركز بالانتخاب المدعوم بالمال والفتاوى التحريمية، وقادرة على تجييره لمسار فلسطين أرض وقف إسلامي ولا يمكن الاعتراف بإسرائيل كما يتطلب الحل الدولي وقد نجحت حتى 7 أكتوبر. إزاء ذلك، من حق «حماس» وغيرها ألا يقبلوا الحل الدولي وأن يطرحوا ما شاؤوا من حلول، ولكن ليس من حقها أن تفشل المسار الآخر أو تسيطر عليه وبخاصة بعد أن جلبت كارثة وخطرا وجوديا بمقامرتها الجنونية. التجربة تؤكد أن طريق «حماس» أعادنا عقودا إلى الوراء في احسن الأحوال، ولا يمكن تبرير إفشال مسار الحل الدولي والشرعية المبنية عليه، بوجود تأييد شعبي أكثري لمسار المقاومة الإسلامية الناجم عن سيادة خطاب شعبوي عاطفي ساهمت فضائية الجزيرة والكتب المدرسية والخطاب الديني والخطاب الإعلامي والمال السياسي في تحويله إلى ثقافة شعبية سائدة. لهذا السبب، فإن الدخول في الانتخابات قبل السجال والمحاججة، وقبل التحقيق والمساءلة في هجوم 7 أكتوبر، وقبل تعريف المصلحة الوطنية العليا والمشروع الوطني، والوطنية والخيانة، والتبادل السلمي للسلطة، قبل وضع المعايير التي يمكن الاحتكام إليها، دون ذلك تفقد الانتخابات وظيفتها ويعاد إنتاج المأزق.