لم يكن لقاء القاهرة، الذي جمع عددًا من الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية، مجرد اجتماع لإصدار بيان حول استمرار العدوان الإسرائيلي وخروقات الاتفاق؛ فبين سطور البيان تبدو ملامح محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الفلسطيني، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة عنوانها الشراكة الوطنية وتجديد الشرعيات وإعادة بناء النظام السياسي.اللافت في اللقاء اتساع دائرة المشاركة، التي ضمت تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، برئاسة محمد دحلان، إلى جانب حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، وقوى فلسطينية أخرى.
اجتماع هذه القوى، رغم اختلافاتها السياسية والتنظيمية، يحمل دلالة تتجاوز حدود البيان، خصوصًا أن القضية الفلسطينية تقف أمام مرحلة حساسة تتداخل فيها ترتيبات ما بعد الحرب مع مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
صحيح أن البيان ركز على جرائم الاحتلال وخروقاته، وطالب الوسطاء والضامنين بالضغط لتنفيذ الاتفاق ووقف القتل وإدخال المساعدات، لكن القراءة السياسية الأهم تكمن في مكان آخر: الانتخابات وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.فالانتخابات لم تُطرح باعتبارها استحقاقًا قانونيًا فقط، وإنما باعتبارها مدخلًا لتجديد الشرعيات، واستعادة ثقة المواطن، وتوحيد المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وضمان التمثيل العادل للقوى والتيارات السياسية.وهنا تبدأ المسألة الأكثر حساسية.
منذ الانقسام الفلسطيني عام 2007، لم تعد أزمة النظام السياسي مجرد خلاف بين فصيلين، بل أصبحت أزمة شرعية وتمثيل ومؤسسات وقرار سياسي. ولذلك فإن أي انتخابات قادمة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الفلسطينيين على الانتقال من شرعية الانقسام إلى شرعية الصندوق.
أما مشاركة حركة حماس في لقاء دعا إليه تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، إلى جانب قوى سياسية أخرى، فهي تحمل دلالة مهمة، لكنها لا تعني بالضرورة قيام تحالف انتخابي. فهناك فرق بين الحوار السياسي والتنسيق المرحلي والتحالف الانتخابي.
وما سيكشف حقيقة الاتجاهات هو ما ستنتجه اللقاءات المقبلة من تفاهمات وآليات عملية.والسؤال الأهم هنا: لماذا الآن؟ربما لأن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد مرحلة ما بعد الحرب، بل مرحلة إعادة تشكيل للمشهد الفلسطيني، ومن يملك القدرة على التأثير في شكل النظام السياسي القادم سيكون حاضرًا في معادلات المستقبل.
لكن المواطن الفلسطيني لن يكتفي بالبيانات والشعارات. إنه يريد انتخابات حرة ونزيهة، وتكافؤًا في الفرص، وضمانات لاحترام النتائج، وبيئة سياسية تمنع الإقصاء والتفرد.إذا تحولت الانتخابات إلى وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام بأسماء وقوائم جديدة، فلن يتغير الكثير. أما إذا أصبحت بوابة لإعادة بناء النظام السياسي على قاعدة الشراكة والتعددية واحترام إرادة الناخب، فقد تكون بداية حقيقية لمرحلة فلسطينية مختلفة.
لقاء القاهرة قد يكون محطة عابرة، وقد يكون بداية لتشكيل معادلة سياسية جديدة. والاختبار الحقيقي ليس في صياغة البيانات، وإنما في القدرة على تحويلها إلى تفاهمات، ثم إلى آليات، ثم إلى واقع سياسي.لقد أنهكت الحرب غزة، وأنهك الانقسام النظام السياسي، ولم يعد الفلسطيني يحتمل إعادة تدوير الماضي.فهل يفتح لقاء القاهرة الطريق من إدارة الانقسام إلى بناء الشراكة، ومن شرعية الأمر الواقع إلى شرعية الصندوق؟هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه الأيام القادمة.