ثلاث سنوات من حرب طاحنة على قطاع غزة، وتغوّل متواصل على أراضي الضفة الغربية من قبل المستوطنين، وانقسام فلسطيني دام عقدين من الزمن، حتى بات الوطن يدفع ثمن الانقسام من دمه ومستقبله.
ألم يحن الوقت لكي يستيقظ السيد محمود عباس وفرسان المقاطعة؟ لقد أتعبتم قلوبنا وأرواحنا، وجعلتمونا نعيش سنوات من الضعف والهوان، فيما كان الاحتلال يتمدد على الأرض، والانقسام يتمدد في النفوس.
اليوم، تعود القاهرة إلى الواجهة من جديد، مع حراك فلسطيني باتجاه الجلوس إلى طاولة واحدة، ولقاءات مرتقبة بين حركة فتح وحماس، في مشهد يطرح سؤالًا كبيرًا أمام الشارع الفلسطيني: هل جاءت حكمة إنهاء الانقسام من القلب، أم فرضتها الضرورة السياسية؟
لقد تأخر اللقاء كثيرًا، وطال انتظار الشعب الفلسطيني لإنهاء هذا الانقسام البائس. ولذلك، فإن أي خطوة باتجاه المصالحة تستحق الترحيب، لكن الترحيب لا يعني أن نتوقف عن طرح الأسئلة.
هل نحن أمام إرادة وطنية حقيقية لبناء شراكة فلسطينية؟ أم أن الانتخابات وحسابات المقاعد وتضخم النفوذ والصراع على عرش السلطة الوطنية هي التي دفعت الجميع إلى الاقتراب من بعضهم؟
فالانتخابات ليست عيبًا، والتنافس السياسي حق مشروع، لكن الكارثة أن تتحول الوحدة الوطنية إلى مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة.
والسؤال الأهم: هل تنجح حركة فتح، بلجنتها المركزية، في إنهاء الانقسام؟ وهل تنجح السلطة الوطنية وحركة فتح في التعامل مع تيار الإصلاح الديمقراطي باعتباره مكوّنًا فلسطينيًا، بدلًا من التفكير في ابتلاعه أو إقصائه؟
وهنا تبدو المفارقة السياسية واضحة.
بالأمس كانت حماس عنوانًا للرفض والخصومة، واليوم يجري البحث عن طاولة تجمع فتح وحماس. وبالأمس كان تيار الإصلاح الديمقراطي جزءًا من صراع فتح الداخلي، واليوم تتقاطع المصالح والاتصالات في القاهرة.
تبا للسياسة والسياسيين حين يصبح الوطن مساحة للمناورة، وحين يتحول الخصم إلى صديق بمجرد أن تتغير موازين المصالح.
"عدو الأمس صديق اليوم"، ولكن السؤال: هل هي مصالحة وطنية حقيقية، أم رومانسية سياسية مؤقتة تفرضها الضرورات؟
وهنا يبرز اسم محمد دحلان وتيار الإصلاح الديمقراطي كجزء من المعادلة الفلسطينية، لا يمكن تجاهله في أي حديث جاد عن إعادة ترتيب البيت الفلسطيني.
فهل ينجح دحلان في تشييد مركبة الوحدة الوطنية؟ وهل يستطيع المختلفون بالأمس أن يتحولوا اليوم إلى شركاء في بناء المستقبل؟
المطلوب ليس أن تبتلع فتح حماس، ولا أن تبتلع حماس فتح، ولا أن يبتلع تنظيمٌ تنظيمًا آخر.
المطلوب أن تتسع السفينة الفلسطينية للجميع.
فالتنظيم الذي يخرق السفينة من الداخل لن يغرق خصمه وحده؛ سيغرق الجميع في بحر غزة، وتضيع المرسى.
لقد تعب الشعب الفلسطيني من البيانات والاتفاقات التي تولد في القاهرة ثم تموت قبل أن تصل إلى المواطن في غزة والضفة.
ثلاث سنوات من الحرب، وعقدان من الانقسام، كافية لكي يفهم الجميع أن الوطن أكبر من التنظيم، وأن فلسطين ليست ملكًا لفصيل، ولا مقعدًا انتخابيًا، ولا عرشًا سياسيًا.
المطلوب اليوم ليس اتفاقًا جديدًا على الورق، بل إرادة سياسية صادقة تنهي الانقسام وتعيد بناء القرار الوطني الفلسطيني على قاعدة الشراكة.
فإن كانت المصالحة من القلب، فليثبتها الفعل.
وإن كانت من أجل الانتخابات، فسوف يكتشفها الشارع.
أما نحن، فقد تعبنا من الانتظار، ونريد أن نغادر شاطئ الأطلال، ونروي بدلًا من حكايات الانقسام حكايات الزمن الجميل عن وطن جمع أبناءه بعدما فرّقتهم السياسة.