القاهرة تفتح باب فتح.. فهل تُنهي القيادة سنوات الانقسام؟
نشر بتاريخ: 2026/08/24 (آخر تحديث: 2026/08/24 الساعة: 18:41)

لم يكن لقاء القاهرة بين وفدي حركة فتح وتيار الإصلاح الديمقراطي مجرد اجتماع عابر، ولا مجرد محاولة لفتح قنوات التواصل بعد سنوات من القطيعة والخلاف، بل جاء في توقيت فلسطيني بالغ الحساسية، تتقاطع فيه مخاطر الاحتلال مع أزمة الانقسام الداخلي، وتتزايد الحاجة إلى إعادة ترتيب البيت الفلسطيني على أسس أكثر شمولًا وتماسكًا.

حديث سمير المشهراوي عقب اللقاء حمل رسائل سياسية تستحق التوقف أمامها، خصوصًا تأكيده أن الاجتماع كان إيجابيًا، مع الإقرار بأنه لم تخرج عنه حتى الآن خطوات عملية. وهذه النقطة تحديدًا هي الاختبار الحقيقي؛ فالقضية ليست في عقد اللقاءات، وإنما في القدرة على تحويلها إلى قرارات وإجراءات ملموسة.

أولى الرسائل تتعلق بحركة فتح نفسها. فقد أكد المشهراوي أن توحيد الحركة يحتاج إلى قرارات حاسمة، وإلى إعادة الحقوق لكل من تعرضوا لقرارات ظالمة. وهذا يعني أن أي حديث عن وحدة فتح لا يمكن أن يبدأ من تجاهل أسباب الانقسام أو القفز فوق الحقوق التنظيمية والسياسية لأعضائها.

فالوحدة الحقيقية لا تعني أن يعود الجميع إلى المكان نفسه فقط، بل أن يشعر الجميع بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن فتح تتسع لأبنائها بمختلف مواقعهم واجتهاداتهم.

أما الرسالة الثانية، وهي الأوسع، فتتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية. فالدعوة إلى إعادة بنائها بصورة قوية تستوعب الجميع تعني أن المطلوب ليس مجرد تسوية خلاف فتحاوي داخلي، وإنما إعادة صياغة الشراكة الوطنية الفلسطينية، بما يجعل المنظمة إطارًا جامعًا لكل القوى والفصائل والشخصيات الوطنية.

وفي ظل ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة، تبدو الحاجة إلى حوار فلسطيني شامل أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ولذلك فإن تأكيد المشهراوي أن الحوار يجب ألا يستثني أحدًا، وأن الاحتلال لا يمكن أن يملي على الفلسطينيين تفاصيل ترتيب بيتهم الداخلي، يحمل دلالة سياسية واضحة: القرار الفلسطيني يجب أن يصنعه الفلسطينيون، لا أن يُفرض عليهم من الخارج.

أما الانفتاح على حركة حماس، فقد قدمه المشهراوي باعتباره ضرورة وطنية، لا تغييرًا في المواقف السياسية. وهذه نقطة مهمة؛ فالسياسة ليست خصومة دائمة، والاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة تمنع الحوار عندما تكون المصلحة الوطنية في خطر.

واللافت أيضًا أن المشهراوي لم يقدم اللقاء باعتباره اتفاقًا مكتملًا، بل ترك الباب مفتوحًا أمام اختبار النوايا. وهنا تحديدًا تبدأ المسؤولية الحقيقية: هل ستتحول الإيجابية التي تحدث عنها إلى خطوات عملية، أم يبقى اللقاء مجرد محطة أخرى في سلسلة لقاءات لم تستطع تجاوز الخلافات؟

إن المرحلة الفلسطينية الحالية لا تحتمل إدارة الانقسام، ولا تحتمل ترف تأجيل المصالحة. فالاحتلال يواصل فرض وقائع جديدة، بينما يحتاج الفلسطينيون إلى عنوان سياسي موحد قادر على حماية شعبهم والدفاع عن حقوقهم.

ومن هنا، فإن الكرة اليوم في ملعب القيادة الفلسطينية وحركة فتح وتيار الإصلاح وسائر القوى الوطنية. المطلوب ليس انتصار طرف على طرف، وإنما انتصار فلسطين على الانقسام.

القاهرة فتحت نافذة للحوار، لكن النوافذ السياسية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. واليوم تقف القيادة الفلسطينية أمام اختبار حقيقي: هل تلتقط هذه الفرصة وتحول المصافحة إلى مصالحة، والحوار إلى قرارات، والقرارات إلى شراكة وطنية حقيقية، أم تضيع مرة أخرى فرصة إعادة بناء البيت الفتحاوي والفلسطيني؟

فلسطين اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الخطب عن الوحدة، بل تحتاج إلى قرارات تصنع الوحدة. وإذا نجحت الأطراف في تحويل الإيجابية التي شهدها لقاء القاهرة إلى خطوات عملية، فقد يكون هذا اللقاء بداية لمسار جديد يعيد بناء حركة فتح، ويعيد الاعتبار لمنظمة التحرير، ويفتح الطريق أمام وحدة فلسطينية طال انتظارها.

أما إذا بقيت الرسائل الإيجابية بلا خطوات عملية، فقد تضيع فرصة أخرى، ويعود الجميع إلى مربع الانقسام.

فلسطين اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الحديث عن الوحدة؛ فلسطين تحتاج إلى قرارات تصنع الوحدة.