تصريحات نتنياهو.. بين إسرائيل الكبرى وهاجس «نهاية إسرائيل»
نشر بتاريخ: 2026/08/31 (آخر تحديث: 2026/08/31 الساعة: 19:11)

التصريح الأخير لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحمل دلالات خطيرة تتجاوز في تقديري حدود الخطاب الانتخابي أو المزايدة السياسية على خصومه. فعندما يقول إن خصومه، في حال فوزهم، سينسحبون من لبنان وغزة وسوريا، وسيقيمون دولة فلسطينية، وإن ذلك «سيكون نهاية إسرائيل»، فهو لا يتحدث فقط عن خلاف سياسي حول مستقبل الأراضي المحتلة، وإنما يضع أي مسار سياسي يقوم على الانسحاب والتسوية وقيام الدولة الفلسطينية في خانة التهديد الوجودي لإسرائيل.

وهنا تكمن خطورة التصريح. فنتنياهو يبدو وكأنه يقول بوضوح إن بقاء القوات الإسرائيلية في هذه المناطق، والإبقاء على واقع الاحتلال والسيطرة العسكرية، أصبح في نظره جزءًا من مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، وليس مجرد أوراق تفاوضية يمكن التخلي عنها في إطار تسوية سياسية.

وهذا يقودنا إلى سؤال أساسي: إذا كان الانسحاب من غزة أو لبنان أو سوريا، وقيام دولة فلسطينية، يعني وفق رؤية نتنياهو «نهاية إسرائيل»، فهل يمكن أصلًا أن يكون نتنياهو مستعدًا لمسار سياسي حقيقي ينهي هذه الأزمات؟

المؤشرات لا تبدو كذلك. بل إن استمرار التوتر في غزة، والإبقاء على الوجود العسكري والعمليات في مناطق مختلفة، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب استمرار العمليات والتمركز في لبنان وسوريا، يمكن قراءته ضمن رؤية أوسع تقوم على تثبيت الوقائع بالقوة قبل أي مسار سياسي.

ومن هنا تصبح فكرة «إسرائيل الكبرى» أكثر من مجرد شعار أيديولوجي. نتنياهو سبق أن تحدث بصورة علنية عن ارتباطه بما وصفه برؤية «إسرائيل الكبرى»، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا حول حدود الطموح الإسرائيلي وطبيعة المشروع الذي تتبناه الحكومة الحالية.

لكن الأخطر في التصريح الأخير هو استخدام عبارة «نهاية إسرائيل». هذه العبارة تكشف، على الأقل في الخطاب السياسي لنتنياهو، عن وجود هاجس عميق يتعلق بمستقبل الدولة الإسرائيلية وقدرتها على الاستمرار. فهو لا يقدم الانسحاب أو التسوية باعتبارهما خيارين سياسيين لهما إيجابيات وسلبيات، وإنما يصورهما باعتبارهما طريقًا إلى النهاية.

وهنا يمكن فهم جزء من خطاب نتنياهو المتكرر حول ما يسمى «لعنة العقد الثامن». فهذه الفكرة ليست مجرد نقاش تاريخي؛ إذ ما زالت حاضرة في النقاشات الإسرائيلية حول مستقبل الدولة، وقد عبّر نتنياهو نفسه في مراحل سابقة عن أهمية تجاوز إسرائيل عقدها الثامن، فيما حذر مسؤولون وشخصيات إسرائيلية أخرى من مخاطر الانقسام الداخلي على مستقبل الدولة.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة سلوك نتنياهو باعتباره محاولة لكسر هذه الهواجس عبر إنتاج واقع جديد: توسيع السيطرة، وإعادة رسم مناطق النفوذ، ومنع الانسحاب، وإبقاء إسرائيل في حالة تعبئة أمنية وعسكرية مستمرة، بما يسمح له بالقول إن إسرائيل لم تدخل مرحلة التراجع، وإنما أصبحت أكثر قوة وقدرة على فرض إرادتها في الإقليم.

لكن المفارقة هنا أن محاولة معالجة هاجس «نهاية إسرائيل» عبر التوسع العسكري والسيطرة على مزيد من الأراضي قد تنتج نتائج عكسية. فكلما توسعت رقعة السيطرة، توسعت معها الأعباء الأمنية والسياسية والديموغرافية، وأصبح من الصعب تحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع مستقر وقابل للاستمرار.

لذلك، فإن الخطر الحقيقي في تصريحات نتنياهو لا يكمن فقط في فكرة «إسرائيل الكبرى»، وإنما في تحويل رفض التسويات السياسية إلى عقيدة سياسية وأمنية. فإذا أصبح الانسحاب من الأراضي المحتلة مساويًا لـ«نهاية إسرائيل»، فإن أي مبادرة سياسية لإنهاء الحرب أو حل الصراع ستصطدم مسبقًا برفض القيادة الإسرائيلية لها.

وهذا يفتح احتمالًا أكثر خطورة: أن تصبح الحروب المفتوحة في غزة ولبنان وسوريا، وحالة التوتر المستمرة في المنطقة، ليست مجرد نتائج للصراع، وإنما أدوات للحفاظ على واقع يخدم هذه الرؤية السياسية.

وبالتالي، فإن المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: هل سيترك المنطقة رهينة لمنطق يقول إن بقاء الاحتلال والسيطرة العسكرية شرط لبقاء إسرائيل؟ أم سيدفع باتجاه مسار سياسي ينهي الاحتلال ويضمن الأمن لجميع شعوب المنطقة؟

المشكلة أن التحذيرات الدولية غالبًا ما تأتي بعد أن يصبح الواقع أكثر تعقيدًا. ولذلك فإن التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها مجرد خطاب انتخابي قد يكون خطأً استراتيجيًا. فحين يربط رئيس حكومة إسرائيلية بين الانسحاب وقيام الدولة الفلسطينية وبين «نهاية إسرائيل»، فإن الرسالة الأهم ليست فقط ما يقوله عن خصومه، وإنما ما يكشفه عن رؤيته هو لمستقبل المنطقة.

وفي النهاية، قد لا تكون المسألة أن نتنياهو يعتقد حتمًا أن إسرائيل ستزول، وإنما الأخطر أنه يتعامل مع هاجس الزوال باعتباره حقيقة يجب منعها بأي ثمن. ومن هنا يمكن تفسير اندفاعه نحو القوة والتوسع وترسيخ السيطرة، في محاولة لإثبات أن إسرائيل قادرة على تجاوز أزماتها التاريخية والاستمرار إلى ما بعد «العقد الثامن».

لكن التاريخ لا يُحسم بالقوة العسكرية وحدها. والدولة التي تبحث عن ضمان بقائها من خلال استمرار الحرب والسيطرة على شعوب أخرى قد تجد نفسها أمام تناقض جوهري: كلما حاولت تأمين مستقبلها بالقوة، زادت العوامل التي تهدد استقرارها على المدى البعيد.