العملية الأمنية في الكتيبة.. دلالات ومآلات
نشر بتاريخ: 2026/09/01 (آخر تحديث: 2026/09/01 الساعة: 20:03)

لا تبدو العملية الأمنية الإسرائيلية التي شهدتها منطقة الكتيبة اليوم مجرد حادث أمني عابر، بل تحمل دلالات تتجاوز هدف اعتقال شخصية أمنية. فدخول قوة إسرائيلية خاصة إلى المنطقة لتنفيذ المهمة، ثم انكشافها والاشتباك معها، واستدعاء غطاء ناري وجوي لتأمين انسحابها، يؤكد حساسية العملية وأهمية الهدف بالنسبة للاحتلال.

والأهم هنا هو أن إسرائيل اختارت الاعتقال بدل الاغتيال. فالهدف في مثل هذه العمليات لا يكون الشخص وحده، وإنما المعلومات التي يمكن الحصول عليها منه خلال التحقيق، بما قد يقود إلى معرفة شبكات القيادة والاتصال والانتشار ومواقع وأهداف أخرى.

وهذا الأسلوب سبق أن رافق مراحل الإعداد لعمليات إسرائيلية واسعة في غزة، حيث شكلت الاعتقالات والاستجوابات جزءًا من بناء الصورة الاستخبارية التي سبقت العمليات البرية. ومن هنا، فإن تكرار عمليات التسلل والاعتقال في أكثر من منطقة، بالتزامن مع تكثيف النشاط الاستخباري، قد يشير إلى أن الاحتلال يعيد بناء بنك معلومات وأهداف داخل القطاع.

ولا يعني ذلك أن قرار جولة عسكرية جديدة قد اتُخذ بالفعل، لكن الخيارات قد تتراوح بين جولة جوية مكثفة من الغارات، أو جولة برية جديدة، أو الجمع بين القصف والتحركات البرية المحدودة. وما سيحدث خلال الأيام المقبلة سيكون المؤشر الأهم على اتجاه الاحتلال.

كما أن اعتماد إسرائيل على قواتها الخاصة لتنفيذ العملية بنفسها يحمل دلالة على حساسية المهمة، وربما على محدودية ثقتها بالميليشيات المحلية المتعاونة معها في تنفيذ عمليات استخبارية دقيقة.

أما انكشاف القوة والاشتباك معها، فيجب التعامل معه بحذر؛ فلا يمكن الجزم بأن اكتشافها كان نتيجة رصد منظم للمقاومة، فقد يكون انكشافها بدأ من خلال المارة أو السكان أو أشخاص من عامة الناس. لكن المؤكد أن العملية لم تمر بالهدوء والسرية التي يفترض أن ترافق مثل هذه المهام، وهو ما سيضع أداء القوات الإسرائيلية تحت النقاش، خصوصًا إذا ثبت وقوع خسائر في صفوفها.

وفي المقابل، ستسعى إسرائيل إلى توظيف الحادثة سياسيًا باعتبارها دليلًا على استمرار وجود قوة مسلحة في غزة، واستخدام ذلك ذريعة لتبرير استمرار تدخلها العسكري. لكن هذه الرواية تتجاهل أن ملف السلاح كان مطروحًا ضمن ترتيبات سياسية تقوم على تجميع السلاح وحصره بيد اللجنة الوطنية، بما يعني أن معالجة الملف كانت جزءًا من مسار سياسي، لا مبررًا مفتوحًا أمام إسرائيل لمواصلة عملياتها.

وهنا يجب أن يكون موقف مجلس السلام والضامنين والوسطاء بمستوى خطورة ما جرى، وألا يقتصر على بيانات الإدانة والقلق. المطلوب إجراءات عملية وفورية لوقف الاعتقالات والتوغلات والعمليات الإسرائيلية، والتحقيق في الخروقات، وضمان عدم تكرارها، واستخدام الأدوات السياسية والدبلوماسية للضغط على إسرائيل والحد من قدرتها على تحويل كل حادث إلى ذريعة للتصعيد.

فإذا بقيت الخروقات بلا كلفة سياسية أو إجراءات ملزمة، فإن إسرائيل ستواصل تفسير التفاهمات وفق مصالحها، بينما يتآكل المسار السياسي وتزداد احتمالات العودة إلى التصعيد.

لذلك، فإن عملية الكتيبة قد تكون أكثر من عملية اعتقال؛ فهي من جهة تكشف استمرار الجهد الاستخباري الإسرائيلي داخل غزة، ومن جهة أخرى قد تكون مؤشرًا على التحضير لجولة جديدة من التصعيد، جوية كانت أم برية.

والسؤال الأهم الآن ليس فقط: من اعتقلت إسرائيل؟

بل: ماذا تريد أن تعرف، ولماذا تجمع هذه المعلومات الآن؟ وهل نحن أمام عمليات أمنية محدودة، أم أمام مقدمات لجولة عسكرية جديدة في غزة؟