في خيام متناثرة على قمم جبال الضفة الغربية، وبعيدًا عن المشهد التقليدي للمستوطنات المحاطة بالأسوار والحواجز والدوريات العسكرية، تنشئ فتيات إسرائيليات تجمعات استيطانية تبدو في ظاهرها أقرب إلى حياة ريفية بسيطة، لكنها تحمل في جوهرها مشروعًا أيديولوجيًا يسعى إلى تثبيت الوجود الاستيطاني وتوسيعه على الأرض الفلسطينية.
تركت هؤلاء الفتيات التعليم والحياة المدنية، واخترن الإقامة في خيام ومساكن بدائية، والعيش في مناطق جبلية ورعوية معزولة، في نمط حياة يقدَّم باعتباره شكلًا من أشكال التضحية في سبيل «الأرض الموعودة». غير أن هذا الوجود، وفق منظمات حقوقية ونشطاء، لا ينفصل عن مشروع استيطاني أوسع يهدف إلى إقامة بؤر جديدة وربطها بالمستوطنات القائمة، وصولًا إلى تشكيل كتل استيطانية واسعة ومترابطة.
ويعتمد هذا النشاط على ما بات يُوصف بـ«الاستيطان الناعم»، حيث تتراجع في الصورة التي تقدمها المجموعة مظاهر السلاح والدوريات العسكرية، لتحل محلها مشاهد الحياة اليومية: فتيات يطبخن، وينشرن الغسيل، ويرعين الأطفال، ويعشن حياة أسرية تبدو اعتيادية.
هذه الصورة ليست مجرد انعكاس لنمط حياة اختارته مجموعة من الشابات، بل تُستخدم أيضًا في الترويج لفكرة أن الوجود الاستيطاني مشروع اجتماعي ومدني طبيعي، يمكن أن ينمو ويتوسع تدريجيًا، بعيدًا عن الصورة التقليدية المرتبطة بالاحتلال والقوة العسكرية.
من «فتية التلال» إلى «فتيات التلال»
تُقدَّم «فتيات التلال» باعتبارهن امتدادًا لحركة «فتية التلال»، التي تأسست في أوساط المستوطنين عام 1998، وارتبط ظهورها بتشجيع من وزير الأمن الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون.
ومع مرور السنوات، تطورت هذه الظاهرة لتشمل مجموعات نسائية تشارك في إقامة البؤر الاستيطانية وتثبيت وجودها، عبر نمط مختلف في أدواته وصورته العامة، لكنه يلتقي مع المشروع الاستيطاني في هدفه الأساسي، المتمثل في توسيع السيطرة على الأرض وإنشاء تجمعات جديدة في مناطق لم تكن مأهولة بالمستوطنين.
وتقوم فلسفة «فتيات التلال» على الابتعاد عن الحياة المدنية الحديثة، والعيش في ظروف بدائية تعتمد على الرعي والتنقل والإقامة في المناطق الجبلية، بما يتيح للمجموعة الوجود في مناطق بعيدة عن التجمعات الاستيطانية الكبرى.
ويُقدَّم هذا النمط من الحياة بوصفه نوعًا من التضحية الشخصية؛ إذ تترك الفتيات التعليم والعمل والحياة المدنية، ويتفرغن للإقامة في البؤر، في محاولة لترسيخ وجود استيطاني دائم فوق الأراضي التي يُنظر إليها أيديولوجيًا باعتبارها جزءًا من «الأرض الموعودة».
أيديولوجيا تتجاوز حدود فلسطين
لا تنفصل أنشطة «فتيات التلال» عن رؤية أيديولوجية أوسع تتطلع إلى إقامة ما يُعرف بـ«إسرائيل الكبرى».
وتتجاوز هذه الرؤية حدود فلسطين التاريخية، لتشمل، وفق التصورات التي تتبناها تيارات استيطانية متطرفة، مناطق من مصر والأردن ولبنان وسوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية.
ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى إقامة بؤرة صغيرة على قمة جبل باعتبارها هدفًا نهائيًا، وإنما باعتبارها خطوة أولى ضمن عملية توسع تدريجية يمكن أن تتطور لاحقًا إلى تجمع سكاني كبير.
وتعتمد الاستراتيجية على تثبيت الوجود أولًا، ثم توسيعه، وبعد ذلك تطوير الخدمات والبنية التحتية، بما يحول الموقع تدريجيًا من نقطة استيطانية مؤقتة إلى تجمع أكثر استقرارًا، وصولًا إلى مستوطنة متكاملة.
وبهذا المعنى، يصبح الرعي والعيش في الخيام والمساكن البدائية جزءًا من آلية لتثبيت الوجود على الأرض، وليس مجرد خيار حياتي منفصل عن المشروع السياسي والاستيطاني.
«الاستيطان الناعم».. حياة يومية خلف مشروع توسعي
من أبرز أدوات «فتيات التلال» اعتماد صورة مختلفة عن الصورة النمطية للمستوطن المسلح.
ففي مقاطع الفيديو التي تنشرها حسابات مرتبطة بالبؤر الاستيطانية على منصات التواصل الاجتماعي، تظهر المستوطنات وهن يمارسن أعمالًا يومية اعتيادية، ويتحدثن عن حياتهن في البؤر، في محاولة لإظهارها باعتبارها حياة أسرية طبيعية.
وتتضمن بعض هذه الرسائل ادعاءات بأنهن لا يقتلن العرب ولا يضربن أصحاب الأرض، وإنما يطبخن وينشرن الغسيل ويقمن بأعمال منزلية مثل أي نساء أخريات.
وتسعى هذه المقاطع إلى كسر الصورة النمطية عن المستوطنات، وإعادة تقديم وجودهن على أنه مشروع اجتماعي وعائلي، وليس مشروعًا سياسيًا أو أمنيًا مرتبطًا بالسيطرة على الأرض.
وهنا تكمن إحدى أبرز سمات ما يوصف بـ«الاستيطان الناعم»: فالهدف ليس إلغاء الطابع الاستيطاني للمشروع، وإنما إعادة تقديمه بصورة مختلفة، بحيث يبدو الوجود الجديد أقل صدامًا وأكثر اعتيادية، بينما يجري في الوقت نفسه تثبيت السكان وتوسيع المساحة وتحسين البنية التحتية.
ومع تحول الخيام إلى مساكن، والمساكن إلى تجمعات، والتجمعات إلى بؤر، تصبح الحياة اليومية نفسها إحدى أدوات تثبيت الوجود الاستيطاني.
«ماعوز إستير».. من نقطة صغيرة إلى «تلة الفتيات»
تبرز بؤرة «ماعوز إستير» شمال شرقي رام الله باعتبارها أحد أبرز النماذج على هذا النوع من التوسع.
أُقيمت البؤرة عام 2006 كنقطة استيطانية شبابية صغيرة، لكنها تعرضت للهدم وإعادة البناء أكثر من مرة، قبل أن تبدأ بالتوسع تدريجيًا عبر مراحل متتابعة، لتتحول مع الوقت إلى تجمع يشبه المستوطنة المتكاملة.
وأصبحت البؤرة تُعرف باسم «تلة الفتيات»، في إشارة إلى الدور البارز الذي لعبته الفتيات في تثبيت الوجود الاستيطاني في الموقع.
وبحلول عام 2025، كان يعيش في «ماعوز إستير» 17 عائلة، فيما تجاوز عدد الأطفال فيها 50 طفلًا.
ولم يتوقف التوسع عند زيادة عدد السكان، إذ كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن مساحة البؤرة امتدت لتصبح نحو ضعف مساحة مستوطنة «كوخاف هشاحر» المجاورة، التي تبلغ مساحتها نحو 950 دونمًا.
وتعكس هذه الأرقام التحول الذي يمكن أن تمر به البؤر الاستيطانية خلال سنوات قليلة؛ فالموقع الذي يبدأ بعدد محدود من السكان ومساكن بدائية يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى تجمع كبير، مع تزايد عدد العائلات والأطفال واتساع مساحة الأراضي المستخدمة.
«أور أهوفيا».. بؤرة جديدة على طريق التوسع
في عام 2023، ظهرت بؤرة «أور أهوفيا» على تلال قريبة من مستوطنة عوفرا.
وتشير هذه الخطوة إلى نمط متكرر في التوسع الاستيطاني، يبدأ بإقامة تجمع صغير في منطقة مرتفعة أو رعوية، ثم العمل على تثبيت الوجود فيه، وربطه لاحقًا بالمستوطنات القريبة.
ولا تبدو هذه البؤر، وفق هذا التصور، مشاريع منفصلة عن بعضها بعضًا، وإنما أجزاء من شبكة أوسع يُراد لها أن تتصل جغرافيًا بالمستوطنات القائمة.
وتشير المعطيات الواردة في هذا السياق إلى تصور يهدف إلى ربط أكثر من 20 بؤرة بمستوطنة عوفرا الأم، بما يؤدي إلى إنشاء كتلة استيطانية مترابطة قادرة، وفق هذا التصور، على استيعاب آلاف العائلات مستقبلًا.
وبذلك، يتحول انتشار البؤر من ظاهرة محلية ومحدودة إلى مشروع لتشكيل خريطة استيطانية واسعة، تتصل فيها النقاط الصغيرة بالمستوطنات الأكبر، بما يعزز التواصل الجغرافي بينها ويصعّب فصلها عن بعضها مستقبلًا.
حين تتحول البؤرة إلى أمر واقع
تعتمد عملية التوسع على عامل الزمن بقدر اعتمادها على البناء.
فالبؤرة التي تُقام اليوم على شكل خيام ومساكن بدائية قد تصبح بعد سنوات تجمعًا يضم عشرات العائلات والأطفال، وتتوفر فيه الطرق والكهرباء والمياه، الأمر الذي يجعل التعامل معه لاحقًا أكثر تعقيدًا.
ومن هنا، فإن إعادة البناء بعد عمليات الهدم تؤدي دورًا محوريًا في هذه العملية؛ إذ لا تنتهي البؤرة بالضرورة مع إزالة مبانيها، بل يمكن أن تبدأ دورة جديدة من البناء بمجرد مغادرة القوات الإسرائيلية للموقع.
ويصف نشطاء حقوقيون بعض عمليات تفكيك البؤر أمام الكاميرات بأنها «مسرحية متفق عليها»، معتبرين أن الإخلاء لا يكون دائمًا نهائيًا، وأن المستوطنين يعودون إلى المواقع ويعيدون بناء ما جرى هدمه.
دعم حكومي وتشريعي ولوجستي
لا يقتصر الجدل حول البؤر الاستيطانية على عمليات البناء والهدم، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بينها وبين مؤسسات الدولة الإسرائيلية.
فعلى الرغم من إظهار الشرطة الإسرائيلية في بعض الحالات التزامها بالقانون من خلال تفكيك بؤر استيطانية، تؤكد منظمات ونشطاء حقوقيون أن كثيرًا من هذه التجمعات تحصل في المقابل على أشكال مختلفة من الدعم الرسمي، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وعلى المستوى التشريعي، تحاول الحكومة الإسرائيلية توفير غطاء قانوني أوسع للبؤر الاستيطانية من خلال تحركات داخل الكنيست.
وفي مطلع عام 2025، أقرت الهيئة العامة للكنيست بالقراءة التمهيدية مشروع قانون تقدم به لوبي «أرض إسرائيل»، ويهدف إلى إلغاء ما يسمى «التمييز» والسماح لليهود بشراء الأراضي في الضفة الغربية بحرية تامة.
وينص المشروع على أن عمليات شراء الأراضي ستظل محمية حتى في حال التوصل إلى اتفاقيات سياسية مستقبلية، بحيث لا يمكن نزع الأراضي من المشترين اليهود.
ويرى منتقدو المشروع أن مثل هذه الخطوة تعني ترسيخ الاستيطان بوصفه أمرًا واقعًا يصعب التراجع عنه مستقبلًا، خصوصًا إذا اقترنت بالتوسع الميداني للبؤر وربطها بالمستوطنات القائمة.
الماء والكهرباء والطرق.. البنية التحتية التي تثبّت الوجود
إلى جانب التشريعات، يشكل توفير البنية التحتية عاملًا أساسيًا في تحويل البؤر من تجمعات مؤقتة إلى مواقع استيطانية مستقرة.
وبحسب منظمات حقوقية إسرائيلية، تحصل البؤر على خدمات تشمل المياه والكهرباء وشبكات الطرق الخاصة، إلى جانب الحماية العسكرية التي يوفرها الجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية.
وتؤدي هذه الخدمات دورًا حاسمًا في تثبيت السكان؛ فكلما تحسنت ظروف الحياة في البؤرة، أصبحت الإقامة فيها أكثر استقرارًا، وتزايدت قدرتها على استقطاب عائلات جديدة.
ويشير مدير البحث الميداني في منظمة «بتسيلم» الحقوقية إلى أن معظم البؤر مدعومة بصورة مباشرة من الدولة والجيش، مضيفًا أن عمليات الهدم تتم في بعض الحالات بصورة شكلية، إذ تعود الفتيات إلى المواقع وتباشرن إعادة البناء فور مغادرة قوات الشرطة.
وبذلك، لا تبدو البؤرة مجرد مجموعة من الخيام المنعزلة، بل جزءًا من عملية متكاملة تجمع بين السكان والبنية التحتية والحماية والتوسع العمراني، بما يؤدي تدريجيًا إلى تثبيت وجودها على الأرض.
الاستيطان بين القانون والواقع
تضع هذه الممارسات البؤر الاستيطانية في قلب الجدل القانوني والسياسي المتعلق بالضفة الغربية.
فبينما تسعى جهات إسرائيلية إلى توفير أطر قانونية تسمح بتوسيع عمليات شراء الأراضي وتثبيت التجمعات الاستيطانية، تؤكد الجهات الفلسطينية والدولية أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة تتعارض مع القانون الدولي.
وقد أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية والأمم المتحدة هذه الممارسات، محذرتين من آثارها على مستقبل الأراضي الفلسطينية وإمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
ولا يقتصر أثر التوسع الاستيطاني، وفق هذا الموقف، على إنشاء تجمعات سكانية جديدة، وإنما يمتد إلى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي للأراضي الفلسطينية، من خلال تقطيع أوصال المناطق وربط المستوطنات والبؤر ببعضها بعضًا، بما يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.
مشروع يبدأ بخيمة
تكشف تجربة «فتيات التلال» عن نموذج مختلف في أدواته الظاهرة، لكنه يرتبط بمشروع استيطاني أوسع في أهدافه.
فالبداية قد تكون خيمة صغيرة على قمة جبل، أو تجمعًا رعويًا محدودًا، أو مجموعة من الفتيات اللواتي اخترن العيش في ظروف بدائية. لكن استمرار الإقامة، وتزايد عدد السكان، وإقامة الطرق والخدمات، وإعادة البناء بعد عمليات الهدم، ثم ربط البؤرة بمستوطنات أخرى، يمكن أن يحول الموقع تدريجيًا إلى جزء من منظومة استيطانية أكبر.
وفي هذا السياق، تصبح مظاهر الحياة اليومية — من الطبخ ونشر الغسيل إلى رعاية الأطفال والعيش في تجمعات عائلية — جزءًا من الصورة التي يجري من خلالها تقديم المشروع إلى الجمهور.
فـ«الاستيطان الناعم» لا يعني بالضرورة غياب القوة أو الدعم الرسمي، وإنما يشير إلى أسلوب مختلف في تقديم الوجود الاستيطاني وإخفاء مظاهره الأكثر صدامًا خلف صورة الحياة العائلية والريفية البسيطة.
وبين الخيام والبؤر، وبين الهدم وإعادة البناء، وبين النشاط على الأرض والتحرك داخل الكنيست، تتشكل عملية تراكمية هدفها تثبيت واقع استيطاني جديد.
وفي النهاية، لا تكمن أهمية «فتيات التلال» في عدد الخيام أو العائلات التي تضمها كل بؤرة فحسب، وإنما في الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه التجمعات الصغيرة ضمن شبكة أوسع من البؤر والمستوطنات، تعمل على تغيير الخريطة الجغرافية للضفة الغربية تدريجيًا، وتحويل الوجود المؤقت إلى واقع دائم.