عدلي صادق لـ«الكوفية»: كواليس ما قبل 7 أكتوبر تكشف المستور.. لماذا ارتبك نتنياهو بعد ظهور اسم دحلان؟
نشر بتاريخ: 2026/09/11 (آخر تحديث: 2026/09/11 الساعة: 19:38)

تقرير: علي أبو عرمانة - لم يكن تقرير «هآرتس» الذي أعاد فتح ملف التحذيرات والاتصالات التي سبقت السابع من أكتوبر مجرد تحقيق صحفي عابر، وفق قراءة السفير والكاتب عدلي صادق، الذي يرى أن أهمية ما نشرته الصحيفة تتجاوز التفاصيل التي أوردها التحقيق، لتصل إلى توقيته، وما يمكن أن يترتب عليه سياسيًا داخل إسرائيل، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

وفي تصريحات خاصة لـ«الكوفية»، قال صادق إن توقيت نشر التحقيق يثير الكثير من الأسئلة، خصوصًا أنه يتناول اتصالات وتحذيرات سبقت أحداث السابع من أكتوبر، مشيرًا إلى أن نشر مثل هذه المعلومات في هذا التوقيت يمكن أن يوجه رسائل إلى الناخب الإسرائيلي والرأي العام داخل إسرائيل وخارجها.

وأضاف أن الصحفي شلومو إلدار يمتلك خبرة طويلة في الشأن الفلسطيني وقطاع غزة، وهو ما يمنح التحقيق أهمية خاصة، بالنظر إلى طبيعة المصادر التي يمكن الوصول إليها في مثل هذه الملفات الحساسة.

تحذيرات سبقت الانفجار

بحسب صادق، فإن إحدى أبرز النقاط التي تستحق التوقف عندها تتمثل في الاتصالات التي جرت قبل السابع من أكتوبر، والرسائل التي حملت تحذيرات من إمكانية حدوث انفجار كبير في قطاع غزة.

وأوضح أن يحيى السنوار كان يسعى في تلك المرحلة إلى فتح مسار جديد، يقوم على تخفيف الحصار والتوصل إلى صفقة لتبادل الأسرى، إلا أن هذه المحاولات لم تصل إلى النتيجة المطلوبة.

ويرى صادق أن نتنياهو لم يكن متحمسًا لإنهاء أزمة غزة، لأن أي انفراج كان يمكن أن يفتح الطريق أمام ترتيبات سياسية جديدة، في وقت كان رئيس الحكومة الإسرائيلية يواجه أصلًا أزمات سياسية وقانونية متراكمة.

وقال إن الاتصالات بين الإسرائيليين والفلسطينيين ليست أمرًا جديدًا، فقد جرت على مدار عقود قنوات اتصال متعددة تتعلق بوقف إطلاق النار، وخفض التصعيد، والانسحابات، وترتيبات الأسرى والقضايا الميدانية.

الإمارات حاولت نقل التحذيرات

ومن النقاط اللافتة التي توقف عندها صادق الدور الإماراتي في محاولة نقل رسائل التحذير إلى الجانب الإسرائيلي.

وأشار إلى أن الإمارات كانت من الأطراف التي حذرت باستمرار من خطورة استمرار التصعيد، ودعت إلى وقف معاناة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، موضحًا أن قنوات اتصال جرى استخدامها لنقل رسائل إلى الجانب الإسرائيلي بشأن خطورة استمرار الوضع القائم.

وبحسب صادق، وصلت الرسائل إلى مستويات إسرائيلية مختلفة، بينها الرئيس إسحاق هرتسوغ، في محاولة للتنبيه إلى أن استمرار الحصار والتصعيد قد يقود إلى انفجار لا يمكن السيطرة عليه.

ويرى أن أهمية هذه الاتصالات تكمن في أنها تؤكد أن المنطقة لم تكن خالية من التحذيرات، وأن السؤال الحقيقي يتعلق بكيفية تعامل القيادة الإسرائيلية معها.

لماذا دخل دحلان على خط القصة؟

الجزء الأكثر إثارة، وفق صادق، يبدأ عندما انتقلت القضية من الحديث عن التحذيرات التي سبقت السابع من أكتوبر إلى الزج باسم القائد الوطني محمد دحلان في المعركة السياسية الإسرائيلية.

وأوضح أن التقرير الأول لـ«هآرتس» لم يضع اسم دحلان بشكل مباشر في مركز الرواية، وإنما تحدث عن شخصية فلسطينية رفيعة مرتبطة بالإمارات، قبل أن تظهر لاحقًا روايات واتهامات إسرائيلية تتحدث صراحة عن دحلان.

ومع تصاعد الهجوم من جانب حزب الليكود والدوائر المقربة من نتنياهو، ظهر اتهام أكثر وضوحًا، مفاده أن دحلان يسعى إلى إسقاط نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية.

ويرى صادق أن هذا الاتهام يحمل مفارقة لافتة، قائلًا إن «اتهام دحلان بإسقاط نتنياهو شرف لا يدعيه»، معتبرًا أن دحلان ليس معنيًا بمن يحكم إسرائيل بقدر اهتمامه بكيفية تعامل الحكومة الإسرائيلية مع القضية الفلسطينية والأراضي المحتلة.

ويؤكد صادق أن دحلان يمثل لاعبًا سياسيًا وطنيًا مؤثرًا فلسطينيًا وإقليميًا ودوليًا، وأن إدخال اسمه في الحسابات السياسية الإسرائيلية لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلًا عابرًا.

نتنياهو يهرب من أزمته؟

يقرأ صادق الهجوم الإسرائيلي على دحلان في إطار أوسع، يتعلق بالأزمة السياسية التي يعيشها نتنياهو.

ويقول إن رئيس الحكومة الإسرائيلية كان يواجه أزمة سياسية قبل نشر تحقيق «هآرتس»، وإن التحقيق أعاد إلى الواجهة الأسئلة المتعلقة بما كان يعرفه المستوى السياسي الإسرائيلي قبل السابع من أكتوبر، وما إذا كانت التحذيرات قد وصلت إليه وكيف جرى التعامل معها.

ومن وجهة نظر صادق، فإن تحويل النقاش من مسؤولية القيادة الإسرائيلية عن التعامل مع التحذيرات إلى الحديث عن شخصية فلسطينية تسعى إلى إسقاط نتنياهو، يخدم في النهاية محاولة نقل بوصلة النقاش بعيدًا عن الأسئلة الأكثر إحراجًا لرئيس الحكومة.

ويضيف أن نتنياهو يقاتل على جبهات متعددة، من غزة والضفة الغربية إلى لبنان وسوريا وإيران، ومع ذلك لم يتمكن من تحقيق الصورة التي وعد بها جمهوره عن «النصر».

هآرتس والتوقيت الحساس

ويولي صادق أهمية كبيرة لتوقيت نشر التحقيق، معتبرًا أن التوقيت يمثل مفتاحًا أساسيًا لفهم الضجة التي أحدثها.

وأوضح أن مثل هذه المعلومات المتعلقة باتصالات سرية وتحذيرات أمنية عادة ما تحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن تصبح متاحة للرأي العام، ولذلك فإن نشرها في هذه المرحلة، وقبل استحقاق انتخابي، يطرح أسئلة جدية حول أهداف التحقيق وتأثيره المحتمل على الساحة السياسية الإسرائيلية.

وأشار إلى أن الصحافة الاستقصائية تعتمد في كثير من الأحيان على مصادر متعددة، وقد لا تكون جميع المعلومات مدعومة بوثائق منشورة، لكن وجود روايات متقاطعة من مصادر فلسطينية وإسرائيلية يمكن أن يمنح التحقيق قيمة صحفية كبيرة.

وقال إن «هآرتس» تمتلك تاريخًا طويلًا في التحقيقات والقضايا السياسية والأمنية، ولذلك فإن نشر هذه الرواية في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن تداعياتها السياسية.

دحلان.. الاسم الذي تعرفه إسرائيل جيدًا

ويعتبر صادق أن معرفة الإسرائيليين بدحلان ليست جديدة، مشيرًا إلى أن اسمه كان حاضرًا في محطات سياسية ومفاوضات سابقة، وأنه يعرف المجتمع الإسرائيلي وثقافته السياسية وشخصياته، كما يعرف الإسرائيليون طريقة تفكيره وأسلوبه في التفاوض.

ويرى أن هذا التاريخ يفسر، إلى حد كبير، سبب الحساسية التي ترافق ظهور اسم دحلان في أي نقاش يتعلق بمستقبل غزة أو التسوية الفلسطينية الإسرائيلية.

ويقول إن الروايات التي حاولت على مدار سنوات تقديم دحلان بصورة شيطانية جاءت، في جانب منها، من خصوم سياسيين، مؤكدًا أن التعامل معه باعتباره مجرد شخصية هامشية لا يعكس حقيقة حضوره السياسي.

لماذا تجاهل نتنياهو التحذيرات؟

يطرح صادق عدة تفسيرات لعدم تعامل القيادة الإسرائيلية مع التحذيرات السابقة للسابع من أكتوبر بالجدية المطلوبة.

ويشير إلى الغرور السياسي والأمني، والاستخفاف بقدرات حماس، وسوء تقدير نوايا السنوار، باعتبارها عوامل يمكن أن تكون قد ساهمت في اتخاذ قرارات خاطئة.

كما لا يستبعد أن يكون نتنياهو قد رأى في استمرار المواجهة فرصة للحفاظ على وضعه السياسي، خصوصًا أن الحرب تمنحه مساحة أوسع للهروب من الاستحقاقات الداخلية.

وفي المقابل، يرى صادق أن السنوار ارتكب أخطاء كبيرة أيضًا، خصوصًا في عملية السابع من أكتوبر وما تلاها، مؤكدًا أن هذه الأخطاء لا تلغي حجم الكارثة الإنسانية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

من الحرب إلى سؤال المستقبل

لا يكتفي صادق بقراءة ما جرى قبل السابع من أكتوبر، بل يربطه بالسؤال الأصعب: ماذا بعد الحرب؟

ويؤكد أن الأولوية يجب أن تكون لإنقاذ الشعب الفلسطيني، ورفع المعاناة عن قطاع غزة، واستعادة الحياة الطبيعية، وإعادة بناء المؤسسات والنظام السياسي على أسس تحترم القانون والشراكة الوطنية.

ويشدد على أن المقاومة بالنسبة له حق ومبدأ، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن تتحول غزة إلى ساحة دائمة لحروب جديدة يدفع ثمنها المدنيون.

ويعتبر أن مواجهة المشروع الإسرائيلي لا تكون فقط عبر المواجهة العسكرية، وإنما أيضًا عبر البقاء على الأرض، وبناء مجتمع فلسطيني قوي، واقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات سياسية تحظى باحترام الشعب.

ووفق قراءة عدلي صادق، تتقاطع ثلاثة ملفات في اللحظة الراهنة، التحقيق الإسرائيلي حول ما سبق السابع من أكتوبر، الأزمة السياسية التي يعيشها نتنياهو، ومحاولة إدخال اسم محمد دحلان في قلب الصراع الانتخابي الإسرائيلي.

وبينما يفتح التحقيق أسئلة محرجة حول التحذيرات التي سبقت الحرب وكيف تعاملت معها القيادة الإسرائيلية، يحاول نتنياهو، بحسب هذه القراءة، نقل جزء من النقاش إلى اتهام شخصية فلسطينية بمحاولة التأثير في مستقبله السياسي.

لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها تبقى في السؤال نفسه: لماذا يصبح محمد دحلان حاضرًا في الحسابات الانتخابية الإسرائيلية إذا لم يكن يمثل، في نظر خصومه، وزنًا سياسيًا قادرًا على التأثير؟

بالنسبة لصادق، فإن الاتهام ذاته يحمل شهادة على حجم الحضور السياسي لدحلان، بينما يبقى السؤال الأكبر الذي فتحه تحقيق «هآرتس»: ماذا كانت تعرف القيادة الإسرائيلية قبل السابع من أكتوبر، ولماذا لم تتعامل مع التحذيرات كما ينبغي؟