موسم الحجيج السنوي إلى نيويورك
نشر بتاريخ: 2026/09/22 (آخر تحديث: 2026/09/22 الساعة: 13:04)

قد تكون انتخابات الكونغرس الأميركي القادمة واحدة من أهم الانتخابات التي جرت في تاريخ الولايات المتحدة، حتى بالمقارنة مع تلك التي تجري مترافقة مع الانتخابات الرئاسية، وذلك بالنظر للمقدمات التي ظهرت في «برايمرز» الحزب الديمقراطي، والتي تؤثر بدرجة ما على انتخابات الحزب الجمهوري المنافس الداخلية، ونقصد بتلك المقدمات فوز عدد من المرشحين المحسوبين على يسار الحزب الديمقراطي، أو ضمن جناحه الاجتماعي، الذي يختار مساراً سياسياً منحازاً للشرائح الاجتماعية الفقيرة داخلياً، وللمساواة بين الشعوب خارجياً، وقد تجلى ذلك من خلال رفض أموال الدعم الانتخابي من اللوبي الصهيوني، والذي بات من يتلقاه يغامر بخسارته الانتخابات، وهذا دال على أن الميزان الانتخابي بات أكثر توازناً، ولم يعد محسوماً سلفاً لمرشحي اللوبي الصهيوني.

هذه الصورة انعكست على الداخل الإسرائيلي نفسه، حيث تجري انتخابات الكنيست السادس والعشرين قبل أقل من أسبوع من موعد انتخابات الكونغرس النصفية، لدرجة أن حزب الليكود المسؤول عن جريمة الإبادة الجماعية، وعن إطلاق الحرب الإقليمية كلها، بهدف إرساء قواعد «إسرائيل الكبرى» أطلق أول شعار انتخابي له، وكان عبارة عن لوحة تجمع كلاً من المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكلاً من الشيخ نعيم قاسم أمين عام «حزب الله» اللبناني، وزهران ممداني عمدة نيويورك المسلم!

كان يمكن النظر إلى اعتبار الليكود كلاً من خامنئي وقاسم كعدوَّين ارتباطاً بالحرب الحالية، وتأكيداً على مواصلة الحرب ضدهما، وأن التصويت لليكود يعني استمرار هذه الحرب، التي باتت أقل كلفة على إسرائيل منذ إطلاق فصلها الأخير في 28 شباط الماضي، خاصة بعد وقف التراشق بين إيران وإسرائيل منذ حزيران الماضي، وتفرّد إسرائيل بمواصلة الحرب ضد غزة والضفة ولبنان وسورية، فيما انفردت أميركا بمواجهة إيران، لكن أن يشمل الشعار الرئيس التركي، فهذا تأكيد من الليكود على أن بقاءه في الحكم أربع سنوات أخرى قادمة يعني مواصلة السعي من أجل إسرائيل الكبرى، وشن الحرب على القوس السني، بعد التخلص من خطر القوس الشيعي، تماماً كما سبق أن قال بنيامين نتنياهو.

فيما شمول مربع العداء عمدة نيويورك المنتخب، فهذا يعني أولاً أن اليمين الإسرائيلي، خاصة منه أصحاب مشروع إسرائيل الكبرى، لا يحترم الأميركيين ولا خياراتهم الديمقراطية، بل هو ينتقي منهم من هم على شاكلته أي العنصريين الذين يغطون على جرائمه ضد الإنسانية، من أمثال دونالد ترامب وطاقم إدارته الحالي، وحتى سلفه الديمقراطي جو بايدن، الذي في أحسن أحواله فشل في التصدي لهم، وانحاز للجانب الآخر من الإسرائيليين، ونقصد من كانوا مع صفقة التفاوض من عائلات المحتجزين، وحتى مؤسسات الأمن، فضلاً عن المعارضة بشكل عام، وهذا يعني أيضاً أن اليمين الإسرائيلي، وهو يرفع شعار إسرائيل الكبرى، يتدخل بكل ما لديه من إمكانيات في الانتخابات الأميركية.

ستحاول إسرائيل الحالية مع اللوبي الصهيوني الوقوف في وجه الجناح الاجتماعي من الحزب الديمقراطي، وفي السابق لم يكن هناك كبير فرق بين الحزبين خاصة تجاه العلاقة مع إسرائيل، وخير دليل هو مقابلة صورة كل من بايدن وترامب، وهي الصورة الأخيرة في ألبوم البيت الأبيض حتى الآن.

نعود الآن إلى من كنا قدرناه من أهمية لهذه الانتخابات النصفية، ويعود هذا إلى أن نتيجتها تحدد المسار الانتخابي الأهم الذي سيجري بعد عامين، ذلك أن فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلس النواب، كما هو مرجح، لن يقلل فقط من سيطرة ترامب على مقاليد الحكم، وحسب، بل سيعزز مسار التحول داخل الحزب الديمقراطي نفسه لصالح الجناح اليساري الاجتماعي، وهذا سيضغط على الحزب الجمهوري ليحذو حذوه أيضاً، لأن ما يحدث في الحزب الديمقراطي ناجم عن المزاج الشعبي والتحول داخل المجتمع الأميركي، حيث بدأ يتصاعد دور وتأثير اللوبيات الإسلامية وغيرها، وبات ممداني الصورة المقابلة لترامب، بعد أن كان بايدن ومن ثم كامالا هاريس صورة باهتة عنه، ملونة بالمساحيق التي لا تخدع الناحبين، ومن قبلهما كانت هيلاري كلينتون، مثالاً مقابلاً، لكن تلك الصورة المقلدة خسرت أمام الصورة الأصل، أما ممداني فهو نقيض ترامب، كما هو المستقبل نقيض الماضي تماماً.

وفوز الحزب الديمقراطي المرجح بأغلبية مجلس النواب، وفوزه المحتمل بأغلبية مجلس الشيوخ، سيجعلان من ترامب «بطة عرجاء» خلال ما تبقى له في البيت الأبيض، أي خلال العامين القادمين. كذلك هذا يرجح إلى حد كبير فرصة فوز الديمقراطيين بانتخابات الرئاسة وأغلبية الكونغرس عام 2028، وربما لأعوام قادمة، خاصة في حال بقي الحزب الجمهوري محافظاً، أي إن لم يسارع في تغيير جلده السياسي، على الصعيدين الداخلي والخارجي معاً.

أما ترامب فهو أكثر صور الحزب الجمهوري محافظة، لدرجة العنصرية البغيضة، وهو لم يتجرأ على تجاوز من سبقه حتى من رؤساء جمهوريين، إن كان في ولايته الأولى من اعتراف بقوانين احتلالية مناقضة للقانون الدولي، حرص الرؤساء السابقون على التحفظ عليها حتى بعد اتخاذ الكونغرس قرارات بشأنها، نقصد الاعتراف الأميركي بالقدس المحتلة عاصمة لدولة إسرائيل، كذلك الاعتراف بقرار الضم الاحتلالي للجولان السوري المحتل وحسب، بل تورط خلال ولايته الثانية مباشرة في الحرب العسكرية على إيران ومع حوثي اليمن من قبل، وهذا أمر لم يفعله أي رئيس أميركي سابق منذ عام 1979 حتى مجيء ترامب، بل إن بايدن - وهو صورة باهتة أو معدلة عن ترامب - بذل كل ما في وسعه، ليس من أجل تجنب المواجهة العسكرية مع إيران، بل منع إسرائيل من ذلك، فلم تشن الحرب إلا بعد دخول ترامب البيت الأبيض.

وترامب يتصرف بكونه ليس معنياً بانتخابات 2028، بل فقط بهذه الانتخابات النصفية، لذلك ربما هو يفكر في ترتيب أمور ثروته، داخل وحتى خارج الولايات المتحدة، لذلك هو تشجع جداً لفكرة «الريفيرا الشرق أوسطية» واعتقد أن الحرب على إيران ستفتح له أبواب صفقة نفطية وملاحية بالغة الأهمية والثراء، وهو يبقى على أي حال بوصلة الحزب الجمهوري، رغم كل ما يقال عن «تسلطه وتحكمه في الحزب»، وهذا ظهر في أكثر من مناسبة، خاصة في الأشهر الأولى بعد عودته للبيت الأبيض، وفك شراكته مع إيلون ماسك وغيره، وفي كل الأحوال يبقى ترامب صورة متزمتة عن الحزب الجمهوري، وصورة كريهة عن الرئاسة الأميركية، وهو يعود بالإدارة الأميركية كثيراً إلى الوراء، إلى أجواء الحرب الباردة، وما كانت تتخللها من حروب أميركية مع فيتنام أو من تنفيذ انقلابات في أميركا اللاتينية، ويبقى ما اتخذه من إجراء عبر «خارجية» ماركو روبيو الأميركي من أصل كوبي، دليلاً على عدم أهلية أميركا لاستضافة المنظمة الدولية.

ترامب يعيدنا إلى أكثر من خمسين عاماً إلى الوراء، وذلك حين حل الموعد السنوي «لموسم الحجيج إلى نيويورك» أي في شهر أيلول، وهو موعد عقد الاجتماع السنوي للجمعية العمومية للأمم المتحدة، والذي يستضيف عادة رؤساء دول العالم، وذلك للتقريب بين الشعوب، والدفع بأجواء السلام العالمي إلى الأمام، وتعتبر زيارة نيويورك وليس واشنطن بمثابة زيارة للأمم المتحدة وليس لأميركا، وهي تخضع لاتفاقية المقر، المبرمة عام 1947، التي تنص في البند 11 على عدم جواز فرض أميركا أي عوائق أمام مرور ممثلي الدول إلى مقر الأمم المتحدة، وفعلاً سبق للعديد من الرؤساء الذين كانوا في حالة عداء أو خصومة مع أميركا أن خاطبوا العالم من على منصة الجمعية العمومية، وكان من هؤلاء فيدال كاسترو، معمر القذافي، هوغو تشافيز، نيكيتا خروتشوف، ومحمود أحمدي نجاد، وكان أهم اختبار حين حل موعد موسم الحجيج الأممي في العام 1988 وحينها رفضت أميركا منح ياسر عرفات «فيزا» الدخول، فكان أن ردّت عليها المنظمة الدولية بأن نقلت مكان اجتماع الجمعية العمومية إلى جنيف، لتتيح المجال للقائد الفلسطيني لإلقاء خطابه الذي عرف دولياً بـ»خطاب غصن الزيتون»، أما ترامب فللعام الثاني على التوالي يرفض منح الرئيس محمود عباس حقه في مخاطبة العالم، وذلك تنفيذاً لأمر إسرائيلي واضح.