المصلحة الإسرائيلية: عدم السماح بإجراء انتخابات السلطة الفلسطينية
نشر بتاريخ: 2026/09/22 (آخر تحديث: 2026/09/22 الساعة: 22:48)

• بات النقاش بشأن السياسة الفلسطينية الداخلية من أكثر المواضيع إثارةً للملل في منطقتنا في أوقات الهدوء، وبالأحرى الآن، في وقتٍ يمتلئ جدول الأعمال العام بقضايا سياسية وأمنية مصيرية، بينما تقترب الانتخابات في إسرائيل من مرحلتها الأخيرة. ومع ذلك، فإن غياب النقاش الإسرائيلي المعمق بشأن تداعيات هذه العملية ربما يقودنا إلى واقع يهدد الإنجازات الاستراتيجية الإسرائيلية، سواء في قطاع غزة، أو في الضفة الغربية.

• إن الخطر الكامن في الانتخابات الفلسطينية لا يتعلق فقط بهوية الفائزين في صناديق الاقتراع، أو بتوازن القوى الحزبية الذي سينشأ في اليوم التالي، بل بالتوقعات الدولية التي ستظهر في أعقابها. وسيركز الضغط السياسي الذي سيحيط بالقدس على مطلب واحد "تسليم المفاتيح".

• يتوهم الغرب أن صندوق الاقتراع هو كلّ شيء، ويميل إلى تجاهُل الجوهر والمضمون والديناميات الداخلية في مناطق الانتخابات. ومَن يريد مثالاً حديثاً لذلك يمكنه أن يجده بسهولة في سورية الجديدة، حيث تمكنت عملية انتخابية شبه ديمقراطية وبدلة أنيقة من التغطية على الجهادي القادم من دمشق؛ كذلك عاشت جارتنا الجنوبية مصر هذه التجربة بنفسها في حزيران/يونيو 2012، عندما انتُخب محمد مرسي، المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، رئيساً للبلد؛ آنذاك، سارع البيت الأبيض إلى الترحيب بالفوز، واصفاً الحدث بصورة درامية بأنه "محطة مهمة في انتقال مصر العادل إلى الديمقراطية".

• حدث ذلك بعد أن مارست الولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة في سنة 2006 من أجل إجراء انتخابات البرلمان الفلسطيني؛ آنذاك، كانت ترى أن إجراء عملية انتخابية سليمة سيؤدي إلى الاستقرار والديمقراطية. ولا حاجة إلى الإسهاب في الحديث عن التداعيات المدمِّرة لتلك الانتخابات.

• هذه المرة أيضاً، إن مجرد إجراء الانتخابات سيمنح الشرعية الدولية لكيانٍ لم يتغير فيه شيء جوهري. وستُقدَّم السلطة الفلسطينية "المنتخَبة" فوراً، باعتبارها شريكاً شرعياً بالكامل في إدارة شؤون غزة، والمفارقة أنها ربما تُعتبر الجهة التي سيتم تكليفها جمع السلاح وتفكيك "حماس".

• لقد وُضع الأساس لذلك بشكل فعلي في قرار مجلس الأمن الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، والذي تبنّى خطة ترامب. ورحّب القرار بإنشاء "مجلس السلام"، وأُقرّ تفويضه إدارة إطار تمويل إعادة إعمار غزة وتطويرها، إلى أن "تستكمل السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحاتها بشكل مُرضٍ، وتصبح قادرة على استعادة السيطرة على غزة بصورة آمنة وفعالة".

• ونصّ القرار أيضاً على أنه "بعد تنفيذ برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية بإخلاص، وإحراز تقدُّم في إعادة إعمار غزة، ربما تتوافر أخيراً الظروف لمسار موثوقٍ به نحو تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية".

• ومن المفترض أن تضطر إسرائيل إلى الموافقة على هذه الصيغة من أجل الدفع قدماً بما كان مهماً وضرورياً جداً بالنسبة إليها في تلك الأيام: إبرام صفقة شاملة للإفراج عن الرهائن الذين كانوا محتجزين في قطاع غزة، ويمكن أن تكون الصيغة المراوِغة، المليئة بالتحفظات والشروط، ومن دون إطار زمني مُلزم، دليلاً على رغبتها في ضمان منفَذ للخروج؛ فالتوقعات من السلطة الفلسطينية بشأن إتمام برنامج إصلاحاتها بصورة مُرضية لم تخضع لاختبار المجتمع الدولي إطلاقاً. وتعلّمنا فعلاً أن العالم لا يحاسب السلطة الفلسطينية على عدم وفائها بالتزاماتها بالطريقة نفسها التي نحاسبها بها نحن. فالتفهم لحكومة ضعيفة وغياب البدائل الجيدة سيضمنان لها دائماً معاملة أكثر تساهلاً، والأخطر من ذلك، الرؤية الواردة في القرار: تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية.

• على إسرائيل منذ الآن استنفاد هامش المناورة الكبير الذي أتاحه لها ذلك القرار، حتى لا تقع في فخ نقل السيطرة على القطاع، وكي لا تدخل في المسار المؤدي إلى "أوسلو 2"، والطريق إلى ذلك تمرّ عبر معارضة صريحة لإجراء انتخابات السلطة الفلسطينية.

• هذه هي الخطوة التي سيرغب المجتمع الدولي في تقديمها، باعتبارها إصلاحاً للسلطة الفلسطينية، وهي الورقة التي ستُستخدم للضغط على إسرائيل من أجل نقل السيطرة على غزة إلى السلطة، وتسليمها - بكل ما في ذلك من مفارقة - مهمة تفكيك "حماس"، وجمع السلاح في غزة، وكذلك المطالبة بانسحاب قوات الجيش الإسرائيلي من القطاع.

• وبالنسبة إلى الأميركيين، فإن سلسلة التطورات التي ستتبع الانتخابات الفلسطينية ستخدم أيضاً هدفاً آخر: الدفع قدماً برؤية التطبيع بين إسرائيل والسعودية. وعندما لا تعود غزة تُعرَّف باعتبارها قضية مفتوحة، وتسير السلطة الفلسطينية في مسارٍ ربما يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، فسيصبح من الصعب على الرياض الاستمرار في معارضتها.

• وسيعرفون في واشنطن كيف يسوّقون ذلك كإنجاز تاريخي مزدوج: بالنسبة إلى السعودية، التي أثمر إصرارها نتائج؛ وبالنسبة إلى إسرائيل، التي أكملت "النصر المطلق"، عبر مسار سياسي كانت "حماس" تأمل بإفشاله. ويبدو كأن التقدير في الولايات المتحدة هو أنه، بطريقة أو بأُخرى، لن تكون معارضة مثل هذا المسار في إسرائيل بعد الانتخابات بالقوة التي تتمتع بها حالياً.

• يمكن لإسرائيل استخدام أسباب مختلفة لمنع إجراء الانتخابات الفلسطينية. فمشاركة "حماس" في الانتخابات من خلال منصة سياسية أُخرى، أو بالشراكة مع جهة أُخرى، تشكل مبرراً كافياً لذلك، كما أن المعارضة المبدئية للنشاط السياسي الأجنبي في القدس يمكن أن تحقق الهدف نفسه. علاوةً على ذلك، توجد اعتبارات أمنية ليس من الصعب طرحها في ظل الواقع السائد حالياً في غزة والضفة الغربية.

• أمس، قدمت وزارة الخارجية الأميركية حجة مقنعة؛ ففي بيانها الرسمي، أوضحت أن السلطة الفلسطينية تواصل القيام بأفعال تتعارض مع التزاماتها، من بينها دفع مخصصات لـ"الإرهابيين"، إلى جانب تمجيد أعمال "الإرهاب والإرهابيين" في تصريحات علنية، وفي الكتب المدرسية.

• وفي الجانب الفلسطيني، هناك مَن يقدّرون أن رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن سيرفض في نهاية المطاف إجراء الانتخابات أصلاً، وسيُلقي المسؤولية على إسرائيل، إمّا بسبب رفضها السماح بالتصويت في القدس الشرقية، وإمّا بسبب نشاط الجيش الإسرائيلي في القطاع.

• ولهذا، يمكن سماع أصوات في إسرائيل توصي بـ"ترك أبو مازن يتحمل بنفسه مسؤولية إلغاء الانتخابات، لكي لا تدفع إسرائيل الثمن السياسي نتيجة معارضتها لها.

• لكن التاريخ يدلّ على خلاف ذلك. ففي سنة 2006 أيضاً كان لدى أبو مازن دوافع كثيرة وجيدة لتأجيل الانتخابات، إلّا إن الضغوط لإجرائها حسمت موقفه، على الرغم من الثمن المتمثل في خسارةٍ أدت إلى انتقال غزة إلى سيطرة "حماس".

• لذلك، حتى إذا طُلب منا دفع أثمان معينة على الساحة الدبلوماسية، فمن الصواب أن تقف إسرائيل في الواجهة، وأن تعلن موقفاً قيَمياً وعقلانياً، من دون البحث عن أعذار، ومن دون الاختباء خلف ظهر أيّ شخص؛ إسرائيل لا تستطيع أن تسمح لنفسها بتجربة فاشلة أُخرى، على غرار نموذج 2006.