​يوم التضامن مع الصحفي الفلسطيني... مَنْ نَحنُ ؟
نشر بتاريخ: 2026/09/26 (آخر تحديث: 2026/09/26 الساعة: 17:40)

​من ساحة المعركة إلى ساحة المقتلة، ليس سهلاً أن تكون صحافياً في بيئة كبيئة فلسطين وغزة خصوصاً؛ فلن يرضى عنك لا "الأوس ولا الخزرج"! فقبل السابع من أكتوبر، لم تكن الحريات "رغيدة"، فكل منا له صولات وجولات مع الدوائر الأمنية في غزة ورام الله؛ فهناك تقرير يؤرق مسؤولاً ما، وهنا قضية أزعجت الفصيل "سين"، وتلك مشكلة مع "متنفذ" هناك، فضلاً عن الاشتباك بالميدان عندما لا تعجبهم تغطيتنا لحدث ما. نعم، هو ترهيب وتهديد وزعزعة استقرار وملاحقة إذا ما التزمت وفهمت الدرس، والأدهى عندما يكتب الله لك وتسافر؛ فالسفر حياة، لكن معنا تتهيأ لمقابلة حتمية "وأنت وحظك"، فأي جهاز أمني يمكن أن يتلقفك... ساعات طويلة من الانتظار قبل المقابلة، تتأخر عن باصك ومن كانوا معك بالرحلة، وتجد نفسك ملحقاً بعد ساعات بباص آخر إذا كتب لك النجاة وفتح الله عليك بالإجابة؛ مع أن طبيعة الموضوعات والحديث عادية إلى حد ما وربما تكون ركيكة، وهذا ما يزعج في الموضوع أنه لا يوجد موضوع معين ولا حدث يستدعي هذا التهويل والإزعاج، فالاحترام مبدأ والمبادئ لا تتجزأ... وهنا بيت القصيد.

​اليوم يوم التضامن مع الصحفي الفلسطيني... ما أعظم الكلمات وما أحقر الواقع! بالرخاء الكل معك ويدعي المساندة ويشيد بك وبعملك وبدورك وبرسالتك وأهمية وجودك، فدائماً ما نشهد حفلات التكريم والتصفيق هنا وهناك من فصائل ومؤسسات وقيادات، وعند أول خلاف في "الرأي"، يكثر الجلادون، وربما يكون التخوين أسهل ما يمكن، والتشهير كحل وسط، والمضايقة بالعمل أبسط الحلول وأقلها خسارة...

​ربما يستغرب البعض أني أكتب عن الحريات في هذا اليوم ونحن نعيش المقتلة، ويرى البعض أنه كان الأولى أن أكتب عن الانتهاكات الإسرائيلية وسقوط أكثر من 260 شهيداً من الزملاء والزميلات بغزة، والاعتقالات بحق الزملاء بالضفة والقدس، وأنه كان يجب أن أتحدث عن توفير الحماية والسلامة لكل الصحفيين. وهنا، أنا لا أعفي الاحتلال من جرائمه ولا أتتوانى عن السعي لمحاسبته يوماً ما؛ فالأمر أعمق من هذا، فالاحتلال يبقى احتلالاً يُعرف بجرائمه وانتهاكاته، وسجلاته حاضرة بكل المحافل الرسمية والدولية، لكننا نحتاج إلى وقفة مع الذات حتى لا ندعي الفضيلة ولا نسوق أننا أفلاطونيون وأصحاب حريات ومبادئ اختلاف واحتواء للخصوم...

​دعوني أعود إلى سؤال العنوان حتى نترجم أكثر سياق المقال؛ فالمناسبة ربما لتذكيرنا بمن نحن أكثر من أنه يوم للتضامن، ومن سيتضامن معنا..؟ الحكومات التي تقمعنا...؟ أم بعض الفصائل التي إذا أختلفنا معها تجرمنا لرأي أو موقف مغاير لموقفها...؟

​نحن الذين وضعنا أرواحنا على كفنا، ونحن الذين كتبنا الدم للقضية، ونحن الذين ندافع عن الصغير قبل الكبير، فوقت السلم لدينا أهم من وقت الحرب، فقضايا المواطن ومصالحه وحياته بوصلة عملنا وسياق اهتمامنا. وفي الحرب، نحن أول من يقاتل وآخِر من ينكسر، على مدار السنوات الماضية وليس فقط آخر ثلاث سنوات أو ما نعيشه الآن من حرب، قدم الصحفي الفلسطيني أغلى ما يملك وأكثر من ضحى، وما زال يواكب الليل بالنهار من أجل نقل الحقيقة وتقديم الرواية والسردية الفلسطينية على الرواية والسردية الإسرائيلية. ويعود الفضل له بالكثير من المحافل على صعيد محكمة الجنايات الدولية، فكانت صور وتوثيق الصحفي الفلسطيني أهم الوثائق التي اعتمدت عليها المؤسسات الدولية. وعلى صعيد الرأي العام العالمي والذي تغير وتحرك بكل عواصم العالم، فالفضل أولاً لدماء شعبنا ومن ثم يعود للصحفي الفلسطيني بغزة الذي جعل من حياته أيقونة لتوصيل الرسالة والأمانة المهنية والوطنية، ليس فضلاً منه بل واجب وطني وأخلاقي ومهني.

​فاليوم لا نحتاج إلى تضامن محلي أو عربي أو دولي، بقدر ما نحتاج إلى فهم رسالة الصحفي وأهميته وقت السلم قبل وقت الحرب؛ فالْمَبَادِئُ لَا تَتَجَزَّأُ والحقوق واحدة مهما تغيرت الظروف وتبدلت الأحوال... فمن ينتصر لحقوقنا بالسلم قبل الحرب؟