رمال غزة تغرق… فهل بعد الله من مغيث؟!
نشر بتاريخ: 2026/11/07 (آخر تحديث: 2026/11/07 الساعة: 13:34)

 

لم تعد غزة تنتظر المطر ليغسل وجعها، فقد أصبح المطر نفسه وجعاً جديداً يضاف إلى سجل مأساتها المفتوحة. هنا، حيث لم تترك الحرب بيتاً آمناً، ولم تُبقِ للنازحين سوى خيام مهترئة وأغطية ممزقة، تأتي السماء محمّلة بالمياه، فتغرق الرمال، وتبتلع الخيام، وتوقظ في قلوب الأطفال والنساء والعجائز خوفاً أشد قسوة من البرد نفسه.

 

في غزة، لا تعني الأمطار بداية موسم الخير، كما اعتاد الناس أن يستقبلوها، بل تعني موسماً جديداً من المعاناة. مياه تتسلل إلى فراش الأطفال، وأمهات يحاولن إنقاذ ما تبقى من ملابس وأغطية، وآباء يقفون عاجزين أمام خيام لا تصمد أمام الرياح ولا تمنع المطر، فيما يبحث الجميع عن بقعة جافة تحميهم من ليلة طويلة.

 

أي مأساة هذه التي يصبح فيها المطر تهديداً للحياة؟ وأي واقع إنساني هذا الذي يجد فيه الإنسان نفسه محاصراً بين ركام منزله وخيمة لا تقيه برد الشتاء؟!

إن ما يجري اليوم ليس مجرد تداعيات منخفض جوي عابر، بل نتيجة تراكم سنوات من الحرب والدمار والنزوح، وتراجع مقومات الحياة، وانهيار البنية التحتية وشبكات تصريف المياه. فحين تتحول الخيام إلى أماكن إقامة دائمة لمئات آلاف النازحين، وحين يصبح توفير مأوى آمن مطلباً بعيد المنال، فإن كل قطرة مطر تكشف عمق الكارثة التي يعيشها القطاع.

 

والأكثر إيلاماً أن العالم يعرف حجم المأساة، وتعرف المؤسسات الدولية والإنسانية أن غزة تدخل شتاءً جديداً دون الحد الأدنى من مقومات الحماية. وقد حذرت المنظمة الدولية للهجرة من أن احتياجات السكان للمأوى لا تزال هائلة، وأن الاستجابة الشتوية لا تغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى سيبقى هذا العجز الدولي قائماً؟ وإلى متى ستظل الاستغاثات الفلسطينية تصطدم بجدران الصمت والانتظار، بينما يدفع المدنيون، ولا سيما الأطفال، ثمن غياب الحماية والمأوى؟

 

إن المسؤولية لا تقف عند حدود إرسال المساعدات الطارئة، بل تتطلب تحركاً دولياً جاداً يضمن إدخال مستلزمات الإيواء والمواد اللازمة لمواجهة الشتاء، وتأمين أماكن سكنية آمنة، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وحماية المدنيين من مخاطر السيول وانهيار المباني المتضررة.

 

غزة لا تحتاج إلى بيانات تضامن جديدة بقدر ما تحتاج إلى أفعال تنقذ الإنسان. لا تحتاج إلى صور التعاطف مع الأطفال الغارقين في الوحل، بل إلى خيام صالحة للحياة، وبيوت آمنة، وماء نظيف، ودواء وغذاء وكرامة إنسانية.

 

إن رمال غزة التي تغرق اليوم لا تحمل مأساة الطقس وحده، بل تحمل شهادة على عجز عالم يرى ولا يتحرك بما يكفي، وعلى مأساة شعب لا يزال يبحث عن أبسط حقوقه: أن يعيش آمناً تحت سقف يحميه.

 

فهل من مغيث؟ وهل تتحرك ضمائر العالم قبل أن يتحول الشتاء إلى كارثة جديدة؟

يا غزة، ليس من العدل أن يطاردك الموت في الحرب، ثم يلاحقك في المطر، وأن يصبح سقف السماء آخر ما تبقى لأطفالك، ثم لا يجدون حتى تحته مأوى آمنا.