أولا، حركة “فتح” لم تعد هي نفسها. فيوم كانت هذه الحركة في طليعة شعبها كحركة تحرر وطني، كان من حقّها أن تكون عصب النضال من أجل تحرير فلسطين، وأن تكون القوة القائدة في منظمة التحرير الفلسطينية. أما اليوم، وبحدود ما تمثله قيادتها الرسمية، فإنها عصب الطغيان والشلل والخذلان. وهذا ما أدى إلى تمزقها أيضا ليظهر فيها تيار إصلاحي يطالب بالتغيير، ولتدفع الاستعدادات لإجراء انتخابات تشريعية إلى انشقاق أعضاء بارزين آخرين، فضلا عن ظهور كتلة شعبية كبيرة كانت محسوبة على “فتح” لتنأى بنفسها عن تلك الـ”فتح” التي تحولت إلى مؤسسة سلطة تمارس الفساد والاستبداد وترفل في نعيم التنسيق الأمني “المقدس” مع الاحتلال من دون أن تقدم لشعبها شيئا أكثر من الكلام الفارغ والشعارات المزيفة، التي لا تسندها إمكانيات ولا يبرهن عليها واقع.
ثانيا، منظمة التحرير شاخت وترهلت ومرضت. عد لتنظر إلى فصائلها في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وسترى منظمات تتخاصم فيما بينها على سبل التحرير، وتقاتل على جبهة الفكر والسياسة والأعمال العسكرية ضد الاحتلال. لا أحد يمكنه القول إنها كانت على صواب دائما. إلا أنها كانت في حركية دائبة، تفكر وتعمل وتجند من قوى شعبها في الداخل والخارج ما استطاعت، فتحولت إلى قوى تتفاوت فاعليتها بحسب عمق ما أنشأته من روابط مع جوهر المسعى التحرري. بعض خسائرها جاء من طرف الظروف الموضوعية التي ظلت تحيط بها، وبعضها الثاني جاء من طرف الأوهام التي سعت العديد من الدول العربية إلى تغذيتها في النفوس، وبعضها الثالث جاء من طرف النزعات الفردية والارتباطات بدول الأوهام وأيديولوجياتها. إلا أنها ظلت جديرة بأن تكون طرفا في “منظمة” كانت أقرب إلى برلمان يجمع كل ألوان الطيف الفلسطيني المسلح. أما اليوم، فانْظر إليها وستجد منظمات سادها الوهم وغلب عليها العجز، وتداعت قدرتها على تمثيل ما بدأت به. حتى أن بعضها تحول إلى “أمين عام” لا يجد من حوله أكثر من بضعة زبانية يكيلون له المديح، فيكيل لهم الرواتب مما يحصل عليه من ميزانية المنظمة.
ثالثا، المعايير تغيرت كما تغيرت كل الأحوال من بعد الخروج من بيروت عام 1982 ودخول معترك السلام. هذا المعترك نفسه كان شيئا مختلفا عن المعترك السابق. وبينما بقيت الفصائل كما هي كانت الأرض من تحتها تتبدل. معترك السلام لم يفرض معايير سياسية مختلفة فحسب، ولكنه صار يتطلب خيارات نضالية مختلفة أيضا، كما صار يتطلب إعادة قراءة للواقع. ولقد فشلت معظم فصائل المنظمة في أن تجد طريقا يقوم على قراءات جديدة. وهذا هو السبب الذي حال بينها وبين التوصل إلى “إستراتيجية وطنية موحدة”. من ناحية لأن معظم تلك الفصائل ظلت ضائعة بين قراءات قديمة وتوجهات يفرضها واقع مختلف. والسبب هو أن القراءات القديمة كانت هي “كشك البيع” الذي لم تعرف ماذا تبيع لو أنها تخلت عنه. ومن ناحية أخرى، لأن واقع الاحتلال ظل ساحقا، وظلت جهود السلام تتعثر، الأمر الذي أبقى تلك الفصائل معلقة في الوسط، تتأرجح على حبال الحيرة، لا هي تستطيع أن تمضي بما اختارت إلى الأمام، ولا هي تملك ما تعود به إلى الوراء.