نشر بتاريخ: 2026/08/24 ( آخر تحديث: 2026/08/24 الساعة: 10:59 )
شريف الهركلي

دحلان... قشة حماس في بحر السياسة أم مركب النجاة؟

نشر بتاريخ: 2026/08/24 (آخر تحديث: 2026/08/24 الساعة: 10:59)

الكوفية يقول المثل العربي: «الغريق يتعلق بقشة»، وهو مثل يلخص حال من تضيق به السبل، فيتشبث بأي فرصة يراها قادرة على إنقاذه من الغرق.

وفي بحر السياسة الفلسطينية المتلاطم، تبدو حماس أمام مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية، وتضيق فيها مساحة المناورة. وفي خضم هذا المشهد، يبرز اسم محمد دحلان بوصفه طرفًا قد تتقاطع معه المصالح، رغم تاريخ طويل من الخصومة السياسية.

فهل أصبح دحلان بالنسبة إلى حماس قشة تتعلق بها للخروج من مأزق سياسي؟ أم أن ما يجري يتجاوز فكرة القشة إلى محاولة البحث عن مركب يمكن أن يحمل الجميع إلى شاطئ أكثر أمانًا؟

تخيلوا غريقًا في بحر هائج، وجد قشة فتمسك بها بكل ما يملك من قوة. لكن ماذا لو ظهر أمامه مركب صغير بمجداف؟ هل يترك القشة ويصعد إلى المركب؟ وماذا لو ظهر يخت أوروبي كبير؟ هل يبقى متمسكًا بالقشة أم يصعد إلى اليخت؟

هكذا هي السياسة؛ لا تعرف الثبات عندما تتغير موازين المصالح. فالخصومات التي تبدو أحيانًا أبدية قد تصبح قابلة للمراجعة عندما تفرض الضرورة السياسية نفسها. والمصالح، في كثير من الأحيان، تعزف سمفونية مختلفة عن تلك التي عزفتها سنوات الصراع.

وفي السياسة، عدوُّ الأمس قد يصبح صديقَ اليوم، والخصومة التي بدت يومًا غير قابلة للمصالحة قد تتحول، تحت ضغط المصالح والضرورات، إلى تفاهم وشراكة. فما كان بالأمس خطًا أحمر قد يصبح اليوم طاولة للحوار، وما كان يُنظر إليه باعتباره خصمًا قد يتحول إلى شريك في لحظة سياسية مختلفة.

ولو كان غير حماس في الموقع ذاته، فربما بحث عن الوسيلة نفسها للخروج من أزمته. فالسياسة ليست دائمًا ميدانًا للمواقف الثابتة، وإنما هي أيضًا فن الممكن، وإدارة للمصالح، ومحاولة لحماية الوجود السياسي في لحظة تتبدل فيها التحالفات والخرائط.

لكن السؤال الأصعب: هل يستطيع التوافق السياسي أن يمحو بصمات الخصومة؟ وهل يمكن وضع وجع الماضي على أرفف النسيان، ولو مؤقتًا، عندما يصبح القرار الوطني هو الأولوية؟

فالماضي لا يمحى بقرار سياسي، والخصومة لا تختفي بمجرد الجلوس حول طاولة واحدة. هناك جراح وذاكرة ومواقف وانقسامات تركت آثارها في الوعي الفلسطيني. لكن السياسة الناضجة لا تعني إنكار الماضي، بل تعني القدرة على تجاوزه عندما يصبح استمرار الخلاف خطرًا على المستقبل.

ربما تكون الضرورة السياسية قد دفعت أطرافًا فلسطينية إلى إعادة النظر في حساباتها، والبحث عن نقاط الالتقاء بدل الاستمرار في إدارة الخلافات بمنطق الإقصاء. لكن أي تفاهم لا يمكن أن يتحول إلى مشروع وطني حقيقي ما لم يتجاوز الحسابات الفصائلية، ويضع فلسطين أولًا.

فالقشة قد تنقذ الغريق، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى سفينة.

وإذا كان دحلان اليوم قشةً في بحر السياسة بالنسبة إلى حماس، فإن السؤال الأهم ليس: من ينقذ من؟ بل: هل تستطيع هذه اللحظة السياسية أن تتحول من تقاطع مصالح مؤقت إلى فرصة لإعادة بناء القرار الوطني الفلسطيني؟

وربما يكون التحدي الحقيقي أمام دحلان وحماس وكل القوى الفلسطينية، ألا يبقى أحدهم مجرد قشة للآخر، بل أن يتحول الجميع إلى شركاء في تشييد سفينة وطنية فلسطينية، تكون قادرة على مواجهة عواصف السياسة، ويحمل كل طرف فيها مجدافًا، بدل أن يتشبث الجميع بقشة النجاة.

فالسفينة الوطنية لا تُبنى من طرف واحد، ولا يستطيع قائد واحد أن يبحر بها وحده؛ تحتاج إلى أيادٍ متعددة، ومجاديف متناسقة، وبوصلة واحدة تشير إلى فلسطين.

وهل تستطيع حماس، ودحلان، وسائر القوى الفلسطينية، تحويل عداوة الأمس إلى شراكة اليوم، وتحويل لحظة الضرورة إلى بداية حقيقية لإعادة بناء القرار الوطني الفلسطيني؟

فالسفينة الوطنية لا تحتاج إلى قشة تنقذها من الغرق، بل إلى إرادة سياسية تعرف إلى أين تبحر.